بين البلاغة الرسمية الواعدة بالتحول الرقمي وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وواقع البنية التحتية المتهالكة وغياب الحماية الفعالية للبيانات والخصوصية، تجلت الفجوة بين الوعود البراقة والتطبيق التشريعي المعدوم خلال “منتدى حوكمة الإنترنت” في بيروت.
تفتقر البنية التحتية اللبنانية المقومات الأساسية لحماية الحقوق الرقمية أو تأمين اتصالات كفؤة، فكيف بالاندفاع السريع لنص قوانين للذكاء الاصطناعي دون تفعيل التشريعات الأساسية التي يناضل المجتمع المدني لأجلها، مثل قانون حماية البيانات الشخصية وقانون حق الوصول إلى المعلومات؟ يرافق ذلك خروقات مستمرة في المنصات الحكومية المُستحدثة ومكننة غائبة تدفع المواطن نحو معقبي المعاملات لإنجاز أبسط أوراقه.
هذه التحديات وغيرها نوقشت ضمن “منتدى حوكمة الإنترنت” اللبناني (Lebanon IGF) السنوي، الذي انعقد يومي 6 و7 تشرين الأول/أكتوبر، تحت عنوان “المرونة الرقمية، والثقة، والابتكار المستدام من أجل تعافي لبنان”، في ضيافة الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية، في منطقة المتحف، في بيروت.
توزعت أعمال المنتدى على جلسات وثلاث ورش بمشاركة نواب وخبراء وأكاديميين وصحافيين وتقنيين وممثلين عن المجتمع المدني والطلاب. ركزت النقاشات على الوصول الرقمي لدعم التعافي الاقتصادي والشمول، البنية التحتية المرنة، حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وحماية الفضاء المعلوماتي أثناء الأزمات من الكراهية والتضليل، إلى جانب أوراق عمل تناولت تأثير شبكات التواصل في الرأي العام وعلاقة الذكاء الاصطناعي بالحق في الوصول إلى المعلومات.
المجتمع المدني وحوكمة الإنترنت: نحو الشراكة الفعلية
خلال جلسة نظمتها “سمكس” برعاية تحالف “CADE”، شددت المحامية ليال صقر (نواة) على الانتقال من مشاركة المجتمع المدني الشكلية إلى الشراكة الفعلية عبر تبسيط القوانين وتفعيل التشريعات لضمان حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات.
وأكدت عليا عواضة (نقطة) على الأثر الحاسم للنضال النسوي في انتزاع التعديلات التشريعية، كـإلغاء المادة 522، محذرة من أن الغموض في النصوص التنفيذية يفرغ القوانين من مضمونها.
وطالب عبد قطايا (مدير البرامج الإعلامية في “سمكس”) بفرض المشاورات العامة مع المجتمع المدني والجهات المعنية كآلية ملزمة ومؤسسية قبل إقرار أي قوانين أو سياسات رقمية لضمان الشفافية والمشاركة العادلة.
الأمن العام: لا تحول رقمياً من دون أمنٍ وثقة
وربط العميد جمال قشمر، ممثل مدير عام الأمن العام، التعافي الرقمي بالأمن والثقة، مؤكداً أنّ “لا تحول رقمياً بلا أمن، ولا أمن رقمياً مستداماً بلا مرونة”، وأنّ حماية الوطن أضحت تمتد لتشمل فضائه السيبراني وبنيته التحتية وبياناته.
يثير هذا المنظور الأمني للتحول الرقمي لدى البعض مخاوف حقيقية من توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية في الفضاء الرقمي في لبنان وتكريس المراقبة وانتهاك الخصوصية، خصوصاً في ظل غياب الضمانات التشريعية الصارمة والرقابة المستقلة. فالأمن السيبراني لا يعادل تلقائياً حماية الحقوق الرقمية، والثقة لا تُبنى بعيداً عن الشفافية والمساءلة ومنع اتخاذ الذرائع الأمنية مبرراً لتقييد الحريات.
ما بعد الاتصال: التعليم وسوق العمل في مواجهة التحول الرقمي
ناقشت الجلسة الأولى “ما بعد الاتصال” متطلبات التحول الرقمي الشامل، مؤكدة أنه يتجاوز الشكليات إلى تأهيل المهارات وتعزيز الشراكة بين القطاع الأكاديمي والخاص لتلبية احتياجات سوق العمل.
عرضت رولا أبو ضاهر (شركة “تاتش”) توجه شركات الاتصالات للتحول إلى شركات رقمية متكاملة (Digital Telco) باستخدام روبوتات المحادثة والذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء وخدمة المشتركين استباقياً.
في المقابل، فندت ماريان بيطار (Bridge Outsource Transform) العقبات البنيوية كارتفاع كلفة المعدات وتراجع برامج التدريب، مشددة على تطبيق مفهوم القبول الشامل (Universal Acceptance) لتمكين الأنظمة والتطبيقات من التعامل مع مختلف اللغات والنطاقات، ضماناً لنفاذ رقمي عادل.
ودعت د. أورسولا الحاج (الجامعة اليسوعية) إلى الانتقال من التعليم النظري نحو إطلاق مختبرات تطبيقية مشتركة بين الجامعات والقطاع الخاص تعالج التحديات الحقيقية.
في حين ركزت ندى حمزة (اليونسكو) على أهمية التربية الإعلامية والتفكير النقدي لمواجهة التضليل الناتج عن الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية والريفية.
الذكاء الاصطناعي واقتصاد الانتباه
في جلسة “الثقة الرقمية تحت الضغط” وندوة “الثقة، الحقيقة والتأثير”، حذرت النائبة نجاة صليبا من مخاطر المحتوى المجهول المصدر والتمويل المشبوه للمنصات، واصفة التضليل المتدفق بـ”الوحش الجائع” الذي يربك قدرة الرأي العام على التمييز.
فيما بينت الأكاديمية دنيا حراجلي كيفية استغلال المنصات الرقمية لـ”اقتصاد الانتباه” وتوظيف الخوارزميات لعزل المستخدمين داخل فقاعات فكرية مغلقة تعزز الاستقطاب.
الأمن السيبراني وحوكمة البيانات: تشريعات بلا حماية فعلية
شهدت جلسة “الأمن السيبراني وحوكمة البيانات” نقاشات حادة حول الثغرات التشريعية، حيث أكد المحامي جان عقل أن القانون رقم 81/2018 (المعاملات الإلكترونية والبيانات الشخصية) يبطل مفعوله بسبب آليات التنفيذ الضعيفة والاستثناءات الفضفاضة لصالح القطاع العام.
وعلى الرغم من استعراض المقدّم محمود عثمان (الفريق الوطني للأمن السيبراني) للخطط الوطنية وإنشاء وكالة سيبرانية، غابت الإجابات الشافية حول قضايا السيادة الرقمية والحماية من خروقات خدمات مثل “ستارلينك” أو أسباب تسريبات البيانات الحكومية المتكررة من دون محاسبة.
من جانبه، شدد ألكسندر فاخوري على ضرورة دمج الأمن السيبراني في التخطيط الإستراتيجي للقطاع العام، وتخصيص الموارد اللازمة لحماية البيانات بدلاً من التعامل مع الحماية كعنصر تقني ثانوي.
المعلومات المضلّلة والخطاب التحريضي أثناء الأزمات
في جلسة لمؤسسة “مهارات”، فند الصحفي نذير رضا شبكات التضليل المدارة عبر منصة “إكس” لتغذية التحريض خلال الأزمات، في حين أظهر العميد د. جورج صدقة عبر دراسات ميدانية كيفية تحول الإعلام في الحروب إلى السلاح المباشر للصراع والتضليل.
بدوره، رهن النائب جورج عقيص نجاح قانون الإعلام الجديد بتفعيل الهيئة الوطنية المستقلة للإعلام وتدريب القضاء بدلاً من الاكتفاء بالنصوص التشريعية.
أعاد المنتدى تسليط الضوء على إشكاليات غياب المساءلة والتعطيل التشريعي، ليطرح السؤال الأساسي: متى يتحول التعافي الرقمي في لبنان من خطابات المؤتمرات إلى حقوق وممارسات ملموسة للمواطنين؟
