أكتوبر 30, 2026 | أخبار

ملاحظات حول الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في لبنان 2032

وسيم منصور, محمد نجم
30 أكتوبر 2026

ملاحظة/تقديم مشترك للتشاور العام

التقييم العام: إن مسوّدة الاستراتيجية طموحة ومنظمة وأقوى من مجرد رؤية إعلانية بحتة، إذ تحدد نتائج قابلة للقياس، والجهات المسؤولة، وبنية للتنفيذ، وتتعامل بحق مع التحول الرقمي باعتباره الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها تبني الذكاء الاصطناعي (ص. 7). أما التحدي المتبقي فيكمن في قابلية التطبيق: إذ ينبغي أن تنطلق الاستراتيجية النهائية من واقع لبنان الحالي (دولة دستورية تضم مؤسسات قائمة، وصلاحيات قانونية، وفصلاً واضحاً بين السلطات، بينما تواجه في الوقت نفسه قيوداً مالية وبنيوية وعلى مستوى الخدمات العامة)، وأن تعرض انتقالاً واقعياً نحو نتائج “السنة الأولى” المقترحة. ترسم مساراً انتقالياً واقعياً نحو تحقيق النتائج المستهدفة في العام الأول. ينبغي للتكنولوجيا أن تخدم الاحتياجات العامة والإصلاح المؤسسي، لا أن تصبح غاية في حد ذاتها.

كما ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية النهائية إجراء تقييمات للمخاطر تتناسب مع طبيعة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المخاطر المتعلقة بحقوق الإنسان، والجوانب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية.

وتشير الاستراتيجية أيضاً إلى أن المبادرات والجهات المسؤولة عنها هي مجرد أمثلة توضيحية وتخضع لموافقة الوزارات المعنية (ص 8، 13، 22). ورغم أن هذه المرونة مقبولة في مرحلة المسودة، إلا أنه لا يمكن بناء أهداف ملزمة للعام الأول، أو عقود أداء موقعة، أو تخصيص أموال عامة، استناداً إلى قوائم توضيحية فحسب. لذا، يجب أن يوضح النص النهائي بدقة أي الالتزامات تُعد ملزمة، وأيها يظل في إطار استرشادي/توضيحي.

التوصية الرئيسية: توصية جوهرية: ينبغي للنموذج المؤسسي أن يتبع الاستراتيجية، لا أن يسبقها. فمشروع القانون الخاص بإنشاء وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (المرسوم رقم 1286 الصادر في 19 سبتمبر 2025) -الذي أحيل حالياً إلى اللجان المشتركة – يمنح وزارةً واحدةً صلاحيات وضع السياسات، والتنظيم، والتنفيذ مجتمعةً، في حين تُسند الاستراتيجيةُ هذه الأدوارَ إلى هيئاتٍ منفصلة. وإذا ما أُقرَّ القانون أولاً، فإن أحكامه الملزمة ستكون لها الأولوية في حال تعارضها مع الاستراتيجية، مما سيحول دون التنفيذ الكامل للهيكل المؤسسي الذي نصت عليه الاستراتيجية.

وبناءً عليه، نوصي بأن تطلب الحكومة من البرلمان تأجيل النظر في مشروع القانون إلى حين اعتماد مجلس الوزراء للاستراتيجية النهائية. ومن ثم، يمكن للحكومة اقتراح تعديلاتٍ تضمن مواءمة مشروع القانون مع الاستراتيجية النهائية، فيما يتعلق بتحديد الجهات المنوط بها وضع السياسات، والتنفيذ، والتنظيم، والرقابة (ص 7، 21-24).

  • الاستراتيجية أولاً، والمؤسسات ثانياً

تؤكد الاستراتيجية صراحةً أنها استراتيجية وطنية، وليست مجرد خطة عمل لوزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (MITAI؛ ص 7). ويقوم هيكلها المؤسسي على فصل المهام؛ إذ تتولى وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وضع السياسات والتشريعات والتمثيل الدولي، بينما تعمل “الهيئة اللبنانية التنفيذية لتطبيق الذكاء الاصطناعي” (LEDAIA) -التي تتبع مباشرةً رئاسة مجلس الوزراء- كذراع تنفيذية. كما يبرز “معهد الأمن السيبراني” كسلطة وطنية معنية بالأمن السيبراني، إلى جانب هيئات مستقلة تتولى مهام التقييم والرقابة (ص 19، 21-24).

وفي المقابل، تغيب “هيئة حماية البيانات” -التي تضعها الاستراتيجية ضمن الركائز الأساسية للتحول الرقمي إلى جانب “الهيئة اللبنانية التنفيذية لتطبيق الذكاء الاصطناعي” (LEDAIA) ومعهد الأمن السيبراني (ص 7)- عن الهيكل المؤسسي الوارد في الصفحة 21.

أما مسودة القانون فتتبنى نهجاً مغايراً، إذ تمنح المادة الأولى منها وزارةً واحدةً صلاحيات تنظيمية ورقابية وتنفيذية واستراتيجية مجتمعة. وتضع المادة الثالثة مسؤولية تطوير النظام الرقمي الوطني والإشراف عليه تحت إشراف هذه الوزارة، بينما تمنحها المادة الرابعة صلاحيات واسعة النطاق تشمل السياسات الرقمية، والتنسيق، والتنفيذ، والتنظيم، والرقابة عبر مختلف القطاعات. وبذلك، نجد أن الاستراتيجية تفصل بين هذه المهام، بينما يجمعها مشروع القانون في جهة واحدة؛ مما يجعل تطبيق النصين معاً بصيغتهما الحالية أمراً متعذراً.

وتكتسب مسألة الترتيب الزمني أهميتها من كون القانون ملزماً، في حين أن الاستراتيجية -حتى وإن اعتمدها مجلس الوزراء- لا تملك صلاحية تعديل القوانين. فإذا أقر البرلمان القانون بينما لا تزال الاستراتيجية في مرحلة التشاور، فسيصبح الهيكل الذي اقترحته الحكومة متجاوزاً قبل اعتماده فعلياً، ولن يكون تصحيح هذا الوضع ممكناً إلا من خلال تشريع جديد. لذا، فإن اعتماد الاستراتيجية أولاً، ثم مواءمة مشروع القانون معها، يجنبنا هذا السيناريو دون الحاجة إلى تأخير الاستراتيجية ذاتها.

وينطبق المنطق ذاته على إنشاء مؤسسات جديدة. فالتحول الرقمي يتطلب جهة وطنية قادرة على التنفيذ، ولكن ينبغي للاستراتيجية أن توضح الأسباب التي تجعل إنشاء هيئة جديدة (مثل LEDAIA) خياراً أفضل من إصلاح أو تحويل هيئة قائمة -كوزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR)- لتصبح وكالة تنفيذية دائمة. فلا ينبغي استحداث مؤسسات جديدة إلا إذا استدعت ذلك مهامٌ جديدةٌ كلياً أو ضرورةٌ تفرض الاستقلالية، وليس لمجرد الرغبة في إضافة خانة جديدة إلى الهيكل التنظيمي.

  • احترام البنية الدستورية، مع الفصل بين وضع السياسات، والتنفيذ، والتنظيم، والرقابة.

إن منطق الإدارة المعتمد في الاستراتيجية (وجود مسؤول واحد، ومؤشرات أداء رئيسية قابلة للقياس، ولوحات بيانات عامة، وآلية تصعيد عند عدم تحقيق الأهداف) يُعد مفيداً ضمن سلسلة التنفيذ الإجرائية (ص 21-25). غير أن هذا النموذج نفسه، القائم على عقود أداء مدتها 90 يوماً، جرى تعميمه ليشمل البرلمان، والمجلس الأعلى للقضاء، والهيئات التنظيمية المستقلة، وأجهزة الرقابة والتدقيق (ص 23-24). إن إدارة الأداء يجب أن تعمل في إطار الصلاحيات الدستورية والقانونية، لا من فوقها؛ فهي لا تملك صلاحية إعادة تعريف مبدأ فصل السلطات أو الاستقلالية القانونية للمؤسسات.

وينبغي أن تتبع الخريطة المؤسسية المبدأ ذاته، إذ يجب أن تحتفظ الهيئات التنظيمية القطاعية باستقلاليتها القانونية. وفي هذا السياق، فإن “هيئة تنظيم الاتصالات والبيانات الرقمية” (TDRA) المقترحة – التي تتألف من مجلس إدارة يضم ستة أعضاء موزعين بين وزارة الاتصالات ووزارة الصناعة والتكنولوجيا والابتكار- بالإضافة إلى الإشارة إلى “إصلاح القانون 431” (ص 21)، تتطلب تقييماً قانونياً وتنظيمياً مستقلاً.

فإصلاح القطاع الرقمي يجب أن يعزز استقلالية الهيئات التنظيمية، لا أن يقوضها. وبالمثل، يبدو أن “هيئة الرقابة المركزية” المقترحة (ص 29) تتداخل مع المهام الرقابية الموكلة بالفعل إلى “ديوان المحاسبة” و”التفتيش المركزي” (ص 24). لذا، ينبغي أولاً تزويد الهيئات الرقابية القائمة -بما في ذلك “هيئة الشراء العام” حيثما كان ذلك مناسباً- بقدرات أقوى في مجالات الرقمنة، وتكنولوجيا المعلومات، والبيانات، والتدقيق في الخوارزميات.

وينطبق القلق ذاته على نموذج التمويل الخاص بـ “الهيئة اللبنانية التنفيذية لتطبيق الذكاء الاصطناعي” (LEDAIA). إذ تصف البنية المقترحة الهيئة بأنها ذاتية التمويل، مع تحميلها مسؤولية إدارة تجمعات البيانات (ص 21)، إلى جانب إدارتها لأنظمة الهوية والسجلات ومنصة “الحكومة الموحدة” (OneGov) (ص 22). إن الجمع بين نموذج التمويل الذاتي ومسؤولية إدارة البيانات الأساسية للدولة يخلق مخاطر تتعلق بالحوكمة، ما لم يتم تحديد مصادر الإيرادات المسموح بها بوضوح بموجب القانون. لذا، يجب أن تحدد الاستراتيجية النهائية مصادر إيرادات ” الهيئة اللبنانية التنفيذية لتطبيق الذكاء الاصطناعي” بقانون، مع استبعاد أي إيرادات قد تُجنى من إتاحة الوصول إلى البيانات الشخصية أو بيانات السجلات، وإخضاع حسابات الهيئة لرقابة الأجهزة الرقابية القائمة.

كما يبدو أن البنية المقترحة تضع “مكتب تقييم الذكاء الاصطناعي” ضمن قطاع التمويل والبيانات في “الهيئة اللبنانية التنفيذية لتطبيق الذكاء الاصطناعي”، بينما تدرج في الوقت ذاته “مكتب لبنان لتقييم الذكاء الاصطناعي” ككيان مستقل عن سلسلة التنفيذ (ص 21). ينبغي للاستراتيجية النهائية أن توضح ما إذا كانت هذه الإشارات تشير إلى الهيئة ذاتها، وأن تضمن -في كلتا الحالتين- استقلالية وظيفة التقييم مؤسسياً عن الكيانات التي تخضع لتقييمها.

  • بناء الإطار القانوني والحقوقي التأسيسي أولاً

تنطلق الاستراتيجية من نقطة صحيحة؛ إذ تضع التحول الرقمي ضمن إطار قانوني وتنظيمي ومؤسسي، يشمل إنشاء هيئة لحماية البيانات (ص 7). وتُقر الاستراتيجية بأن حماية البيانات حالياً تعتمد فقط على أحكام محددة في قانون المعاملات الإلكترونية، مؤكدةً أن هذا القانون التأسيسي يمثل الأداة الأولى -وليس الأخيرة- في هذا المسار (ص 12). كما تقترح الاستراتيجية وضع إطار لحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي كركيزة تمكينية على المستوى الوطني (ص 29). وينبغي للنسخة النهائية من الاستراتيجية توضيح محتويات هذا الإطار القانوني، مع اشتراط تفعيله قبل التوسع في استخدام الأنظمة الحساسة.

يتمثل العنصر الأول في قانون عصري لحماية البيانات، تتولى تنفيذه هيئة مستقلة لحماية البيانات. وينبغي لهذا القانون تحديد الأغراض المشروعة للمعالجة، ومبدأ حصر الغرض، وتقليل حجم البيانات المجمعة، ووضع حدود لفترات الاحتفاظ بها. كما يجب أن يمنح المواطنين حقوق الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها، ويفرض التزامات بالإبلاغ عن حالات اختراق البيانات، ويضع ضمانات لنقل البيانات عبر الحدود، ويكفل توفير سبل انتصاف فعالة. أما مبدأ “تقديم البيانات مرة واحدة” (ص 11) فيجب أن يُفهم على أنه إعفاء للمواطنين من تقديم البيانات ذاتها مراراً وتكراراً، وليس كإذن يتيح لكل جهة عامة الوصول إلى كافة السجلات.

أما العنصر الثاني فيتمثل في وضع قواعد تنظم أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر. وينبغي لهذه القواعد تحديد فئات المخاطر، والاستخدامات المحظورة، والأساس القانوني لنشر الأنظمة ذات الأثر الكبير، مع توفير ضمانات تحمي من المراقبة الجماعية غير القانونية، والتصنيف القائم على التمييز، والاستخدامات التي تهدف إلى التلاعب. كما ينبغي إخضاع التطبيقات الحساسة لمراجعة مستقلة من قِبل هيئات التقييم والرقابة التي تقترحها الاستراتيجية (ص 21، 29). وفي حين أن تأجيل المبادرات المتعلقة بالدفاع والأمن القومي (ص 13) أمر مفهوم، إلا أنه لا ينبغي استثناء هذه الاستخدامات من الالتزام بالمبادئ القانونية الأساسية وضمانات الحقوق.

وأخيراً، ينبغي للاستراتيجية التمييز بوضوح بين ما يتطلب تشريعاً قانونياً، وما يمكن تنفيذه عبر اللوائح التنظيمية، أو المعايير التقنية، أو إجراءات التعاقد والمشتريات. ومن خلال ضوابط تشغيلية -مثل سجلات الوصول، وتحديد الصلاحيات بناءً على الأدوار الوظيفية، وجداول الاحتفاظ بالبيانات، وتقييمات الأثر، وآليات التدقيق- يمكن تحويل هذه الحقوق القانونية إلى ممارسات يومية فعلية.

  • اجعلوا السيادة الرقمية مبدأً حاكماً

ينبغي أن تكون السيادة الرقمية مبدأً حاكماً للاستراتيجية الوطنية وإطارها القانوني والمؤسسي، لا مجرد فئة من العوامل المساعدة. وتُقر الاستراتيجية بجزء من هذا المفهوم، إذ تسعى لإبرام اتفاقيات مع المزودين تضمن احتفاظ لبنان بحقوقه المتعلقة بتصنيف البيانات، والتدقيق فيها، واستردادها (الصفحات 6، 29). لذا، ينبغي أن توسّع الاستراتيجية النهائية نطاق هذا المنطق ليشمل كل نظام عام حيوي، مع تحديد القواعد قبل البدء في عمليات الشراء، وليس بعدها.

تُعد الهوية الرقمية بنية تحتية عامة سيادية. وتضع الاستراتيجية كلاً من الهوية الرقمية الوطنية، وتبادل البيانات، وأنظمة المدفوعات في صلب “منظومة لبنان الرقمية” (Lebanon Stack) (الصفحات 20، 30). ومع أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص قد تدعم التنفيذ التقني، إلا أن الحوكمة، والسجلات الموثوقة، وخدمات الثقة، ومفاتيح التشفير يجب أن تظل تحت سيطرة الدولة. وينطبق المبدأ ذاته على برنامج الشراكة الوطنية المخصص للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي يُنشئها ويُشغّلها القطاع الخاص (الصفحة 29)؛ إذ يمكن للشريك الخاص البناء والتشغيل، لكن لا ينبغي له امتلاك الوظائف الجوهرية للدولة أو التحكم فيها.

وتحتاج الترتيبات المتعلقة بالحوسبة السحابية والبيانات إلى الوضوح ذاته. إذ ينبغي أن تستند سياسات “اعتماد السحابة كخيار أول” (Cloud-first)، ومجمعات البيانات الوطنية، و”سفارات البيانات” (الصفحات 29-30) إلى قواعد واضحة بشأن تصنيف البيانات، والولاية القضائية، والتحكم في مفاتيح التشفير. وينطبق الأمر نفسه على الإطار الوطني المخطط له مع مزودين اثنين أو ثلاثة من كبار مزودي تقنيات الذكاء الاصطناعي (الصفحة 26)؛ حيث يجب إدارة اعتماد الدولة على عدد محدود من الشركات الأجنبية من خلال العقود منذ البداية. لذا، ينبغي أن يشترط كل عقد رئيسي الالتزام بالمعايير المفتوحة، وقابلية التشغيل البيني، وإمكانية نقل البيانات، واستمرارية الخدمة، وحقوق الخروج القابلة للتنفيذ، وذلك لضمان عدم وقوع لبنان رهينةً لمزود واحد فقط.

وينبغي أن تخضع قنوات تقديم الخدمات العامة للمبدأ ذاته. فمنصة “سلامتك” (Salemtak) مصممة صراحةً لتعمل عبر تطبيق “واتساب” (الصفحة 27)، كما يفترض محور “حياة أفضل” (Better Life) إمكانية تقديم الخدمات من خلاله (الصفحة 10). ومع أن “واتساب” قد يمثل قناة وصول اختيارية مفيدة، إلا أنه لا ينبغي أن يتحول إلى بنية تحتية وطنية للخدمات العامة في لبنان، أو أن يصبح البوابة الوحيدة للوصول إلى خدمات حساسة تتعلق بالصحة، أو الهوية، أو الرعاية الاجتماعية. فاعتماد “واتساب” في تقديم الخدمات العامة الجوهرية سيؤدي أيضاً إلى التبعية لمنصة أجنبية مملوكة لشركة خاصة وتخضع لسيطرتها. ينبغي أن يكون النظام الأساسي خاضعاً لسيطرة الدولة، ومتعدد القنوات، وقائماً على معايير مفتوحة، مع توفير بدائل يسهل الوصول إليها، مثل شبكة الإنترنت، والرسائل النصية القصيرة، ومراكز الاتصال.

  • إضافة مرحلة تمهيدية رسمية قبل السنة الأولى، مع تحديد قواعد واضحة للإيقاف والمتابعة

تشمل الأولويات العشر في السنة الأولى: 500,000 هوية رقمية، ومعاملات OneGov، ومركز عمليات أمنية وطني يعمل على مدار الساعة، وصندوق للذكاء الاصطناعي يستثمر رأس المال، وعقود تصدير، وإطلاق جميع مهام القطاعات الاثنتي عشرة (ص 20). ومع ذلك، تُسند الاستراتيجية أيضاً إلى وزارة تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي (MITAI) خطة تشريعية للسنة الأولى لحماية البيانات، والأمن السيبراني، وحوكمة الذكاء الاصطناعي (ص 22)، في حين أن العديد من المؤسسات وآليات التمويل اللازمة لتنفيذ أولويات السنة الأولى غير موجودة بعد. ولا يمكن لآلية عقد الأداء لمدة 90 يوماً أن تحل محل هذه المتطلبات الأساسية.

لذا، ينبغي أن تسبق السنة الأولى مرحلة تمهيدية رسمية. ولكل أولوية، يجب أن تحدد الخطة ما يلي: الأداة القانونية المطلوبة؛ ما إذا كان الإجراء تشريعياً، أو تنظيمياً، أو مؤسسياً، أو قائماً على المشتريات، أو تشغيلياً، المؤسسة المسؤولة، خط الأساس، الميزانية ومصدر التمويل، التبعيات، والتسلسل المطلوب. ينبغي أيضاً تحديد قواعد الإيقاف والمضي قدماً: لا يجوز توسيع نطاق استخدام الهوية الرقمية الحساسة، ومشاركة البيانات بين السجلات، وقواعد البيانات الوطنية، والذكاء الاصطناعي عالي المخاطر، ما لم تكن الضمانات القانونية المطلوبة، أو سلطة الإشراف، أو ضوابط الأمان مُفعّلة بعد. ولا يبدأ احتساب السنة الأولى إلا بعد استيفاء المتطلبات الأساسية ذات الصلة بشكل رسمي.

وعلى مستوى الخدمة، ينبغي تطبيق المعيار نفسه قبل اختيار الذكاء الاصطناعي. فلكل حالة استخدام، يجب على الجهة المسؤولة تحديد المشكلة العامة، وما إذا كان حل رقمي أبسط لا يعتمد على الذكاء الاصطناعي كافياً، والقيمة المضافة المتوقعة من الذكاء الاصطناعي، وتكاليفه ومخاطره، وبديل بشري متاح. ولا ينبغي مكافأة تبني الذكاء الاصطناعي بحد ذاته كنتيجة، بل ينبغي مكافأة تحسين الخدمة العامة.

  • اختبار الاستراتيجية في ضوء الظروف الراهنة في لبنان

تُحدد الاستراتيجية -بشكل سليم- قطاعات الطاقة والمياه، والاتصالات، ونظاماً مالياً رسمياً موثوقاً وفعالاً، باعتبارها ركائز أساسية (ص 15-16). ولا ينبغي النظر إلى هذه القطاعات كمهام موازية فحسب، بل كقيود عملية تؤثر على تنفيذ بقية جوانب الاستراتيجية.

الطاقة والمياه (ص 15): إن ضمان توفير الطاقة لـ “مناطق الذكاء الاصطناعي” (AI Zones) يجب أن يسبقه تقييم لجدوى الموارد، يوضح كيفية ترتيب أولويات استخدام الموارد العامة الشحيحة، بما يضمن عدم مزاحمة الاحتياجات الأساسية للأسر والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

الاتصالات (ص 15، 23): تتعامل الاستراتيجية مع “الاتصال” كشرط مسبق. ومع ذلك، فإن المخرجات المطلوبة في السنة الأولى ضمن محور الاتصالات تقتصر على إعداد “خريطة للتغطية والمرونة”، بينما تظهر هيئة “أوجيرو”، والهيئة المنظمة للاتصالات، ومشغلو شبكات الهاتف المحمول، كشركاء في التنفيذ فقط. كما يتطلب الشمول الرقمي توفير خدمات بأسعار معقولة، ودمج السوق ضمن الإطار القانوني. ويشير التقرير الخاص رقم 5/2026 الصادر عن ديوان المحاسبة بتاريخ 8 أكتوبر 2026، إلى وجود أكثر من مليون مشترك خارج الشبكة القانونية للإنترنت الثابت، مقدراً خسارة الإيرادات العامة السنوية بنحو 128.8 مليون دولار. يوضح هذا الواقع الفجوة القائمة بين الظروف الرقمية الحالية والهدف المتمثل في الوصول إلى مليون “مشغل في مجال الذكاء الاصطناعي”. لذا، ينبغي ربط محور الاتصالات بشكل صريح بإصلاح حوكمة القطاع، وتعزيز قدرات الهيئة الناظمة، وإقرار تشريعات الاتصالات العالقة، وهي جميعاً متطلبات أساسية لنجاح الاستراتيجية.

القطاع المصرفي والمالي (ص 16): تنص الاستراتيجية ذاتها على أن وجود نظام مالي رسمي فعال وموثوق يُعد شرطاً مسبقاً لدعم الصادرات، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتفعيل “الصندوق الوطني للذكاء الاصطناعي”، وتحقيق الشمول المالي. ولا يمكن للحلول الرقمية -مثل المدفوعات الرقمية، والأموال عبر الهاتف المحمول، والخدمات الاستشارية القائمة على الذكاء الاصطناعي- أن تكون بديلاً عن عملية شاملة لاستعادة النظام المصرفي والمالي، الذي تعتمد عليه هذه الأهداف بشكل جوهري.

  • قياس الأداء يشمل مسار التحول، لا الوجهة النهائية فحسب

تُقارن الاستراتيجية بين أربعة نماذج وطنية انطلقت من ظروف متباينة للغاية، كامتلاك قدرات حكومية عالية، أو رؤوس أموال سيادية ضخمة، أو اقتصاد متقدم، أو حكومة قطعت بالفعل شوطاً في التحول الرقمي (ص 18). كما تشير الاستراتيجية إلى أن خيارات كل دولة كانت نابعة من المعطيات التي كانت تمتلكها بالفعل. وينبغي على لبنان تطبيق المعيار ذاته على وضعه الخاص، إذ ينبغي أن يحدد إطار قياس الأداء الدولَ والاستراتيجيات التي استُند إليها، مع توضيح مسارات التحول إلى جانب النتائج النهائية؛ أي بيان الإصلاحات التي أُنجزت أولاً، والمدة الزمنية التي استغرقتها، وكيفية تمويلها، وما هي القدرات المؤسسية والبنية التحتية التي كان لا بد من توافرها قبل أن تصبح الأهداف الطموحة للتبني قابلة للتحقيق على أرض الواقع.

  • اجعل الأهداف الرئيسية وخطة التمويل والتنفيذ قابلة للتدقيق

تحدد الاستراتيجية أهدافًا رئيسية، تشمل مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 4 مليارات دولار، وصادرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي بقيمة ملياري دولار، واستثمارات أجنبية مباشرة ملتزم بها بقيمة مليار دولار (الصفحتان 6 و9). بينما يتضمن الملحق 93 مبادرة (الصفحة 26) والتزامات مالية كبيرة، مثل 150 مليون دولار كرأس مال تأسيسي عام للصندوق الوطني للذكاء الاصطناعي، و50 مليون دولار لصندوق النهضة الرقمية للسنة الأولى، ودعم الوصول إلى المناطق الحدودية، وإنشاء مناطق ذكاء اصطناعي خاصة (الصفحتان 26 و30). يجب أن تكون هذه الأرقام قابلة للقياس، لا مجرد أهداف طموحة.

ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية النهائية ملحقاً واحداً للتنفيذ والتمويل يجمع بين السؤالين: كيف تم تحديد الأهداف، وكيف سيتم تحقيقها. كما ينبغي أن يوفر المنهجية ومصادر البيانات، وتعريفات “مساهمة الذكاء الاصطناعي” و”الصادرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي”، والخطوط الأساسية والسيناريوهات السنوية، والافتراضات، ومعالجة الإضافة والازدواجية في الحساب، والتكاليف العامة المقدرة، ومصادر التمويل، والآليات القانونية، ونماذج الشراء، والحوكمة والمسؤولية المالية، والتحقق المستقل من النتائج. من شأن هذا أن يُكمّل، لا أن يُكرّر، لوحة النتائج العامة للاستراتيجية ونموذج التمويل القائم على مراحل الإنجاز (ص 19-25).

ينبغي أن تتضمن لوحة النتائج نفسها مؤشرات الحقوق والاستدامة، مثل شكاوى حماية البيانات وحلولها، والمراجعات المستقلة للأنظمة عالية المخاطر، واستهلاك الطاقة والمياه في مناطق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وليس فقط أرقام التبني والاستثمار.

  • جعل الحقوق الرقمية والضمانات البشرية قابلة للإنفاذ على مستوى تقديم الخدمة

ينبغي للإطار القانوني أن يرسّخ هذه الحقوق، بينما تضمن آليات التنفيذ إمكانية ممارستها فعلياً. ففي الحالات التي يؤثر فيها الذكاء الاصطناعي بشكل جوهري على الوصول إلى خدمة عامة أو على اتخاذ قرار ذي تبعات مؤثرة، يجب أن يكون الأفراد على علم بمشاركة الذكاء الاصطناعي في العملية، وأن يُتاح لهم تصحيح البيانات الأساسية، والحصول على تفسير وافٍ ومفهوم، وطلب إعادة النظر في القرار من قِبل عنصر بشري، والوصول إلى آلية مستقلة للإنصاف. كما ينبغي للحكومة الاحتفاظ بسجل عام لأنظمة الذكاء الاصطناعي المُستخدمة، يوضح الغرض من كل نظام، والجهة المسؤولة عنه، والمزود، وتصنيف المخاطر، وحالة التدقيق، مع استثناءات محدودة للغاية تقتضيها الضرورات الأمنية المشروعة. وتكتسب هذه المتطلبات أهمية خاصة في سياق الاستخدامات المقترحة ضمن الاستراتيجية، لا سيما في مجالات التعليم (ص 8)، والصحة والخدمات الاجتماعية (ص 27)، والتوظيف وإدارة الخدمة المدنية، والتشريع والقضاء (ص 28)، وغيرها من المجالات الحساسة التي تخضع لرقابة “مكتب التقييم” (ص 29).

خاتمة

لا يحتاج لبنان إلى طموح أقل، بل يحتاج إلى مسارٍ قابلٍ للتطبيق، ويحترم السيادة والحقوق، ويستند إلى أسس قانونية، مسارٍ ينقل الدولة من واقعها الحالي إلى “الدولة الرقمية” التي تسعى الاستراتيجية إلى بنائها. وتكمن أقوى مساهمات هذه الاستراتيجية في إدراكها أن التحول الرقمي، والأطر القانونية، والمؤسسات، والقدرة على التنفيذ، هي متطلبات تسبق تبني الذكاء الاصطناعي. وتتمثل الخطوة التالية في جعل هذا التسلسل ملزماً: اعتماد الاستراتيجية الوطنية أولاً، ومواءمة مسودة القانون الوزاري وتحديد الهيكل المؤسسي، وسنّ الضمانات الأساسية، وتحديد ركائز التمويل والتنفيذ، وعندها فقط يبدأ احتساب “السنة الأولى”. كما ينبغي مأسسة هذه الاستراتيجية لضمان استمراريتها، بحيث لا ترتبط ببقاء الوزير أو الحكومة التي أطلقتها.

الاستراتيجية ← المهام ← المؤسسات ← القوانين والتمويل ← المرحلة التمهيدية ← التنفيذ في السنة الأولى

أحدث المستجدات

أحدث المستجدات حول الحقوق الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا

30 أكتوبر 2026

منتدى حوكمة الإنترنت 2026: لبنان يناقش التعافي الرقمي فيما الإصلاحات تراوح مكانها

21 سبتمبر 2026

العدّ العكسي بدأ: أقل من شهر يفصلُنا عن ملتقى “خبز ونت”!

16 سبتمبر 2026

نظارات “ميتا”: انتهاك للخصوصية في منطقة غرب  آسيا وشمال أفريقيا

ابقوا/ين على اطلاع

واشتركوا/ن في نشرتنا البريديّة.