تُعدّ الكابلات البحرية البنية التحتية الخفيّة للإنترنت، وهي أنظمة أليافٍ ضوئية تُمدّ عبر قاع البحار، وتنقل نحو 98% من حركة الإنترنت الدولية بين القارات، قبل أن تصل إلى محطات إنزال الكابلات، حيث تتّصل الأنظمة البحرية “الرطبة” بالشبكات الأرضية “الجافة”، أي شبكات الإنترنت الوطنية.
لكنّ هذه الكابلات ليست مجرّد أنابيب، بل هي تنطوي أيضاً على مسارات، وولاياتٍ قضائيّة، وعقود، ومحطّات إنزال، وترتيبات صيانة تُنتج تبعيّات، وأدوات نفوذ وتفاوض. فالدولة التي تمتلك كابلاً بحرياً، أو تملك حصة مؤثرة فيه، تتحكّم بمسار تدفّق بياناتها، وبالجهات التي يمكنها الوصول إليها أثناء عبورها، وبإمكانيّة استخدام هذا الكابل كورقة ضغط في المفاوضات التجارية أو الأمنية أو الدبلوماسية.
في 15 كانون الثاني/يناير 2026، أفادت منظمة “مهارات” بأنّ مجلس الوزراء اللبناني وافق على طلب وزارة الاتصالات الانضمام إلى مشروع الكابل البحري الدولي “ميدوسا” (Medusa).
ويُعدّ “ميدوسا” نظاماً متوسطياً عالي السعة تملكه شركة AFR-IX Telecom، ويحظى بدعمٍ من الاتحاد الأوروبي، ويهدف إلى ربط أوروبا وشمال أفريقيا وشرق المتوسط. يبلغ طول النظام الأساسي 7 آلاف ومئة كيلومتر. وكان من المتوقّع أن يدخل النظام حيّز الخدمة بين عام 2025 وبداية 2026، مع خططٍ لتوسيعه نحو الشرق الأوسط وأفريقيا، ما يرفع الطول الإجمالي للمسار إلى نحو 8 آلاف وسبعمئة كيلومتر، وهي سعة كافية لنقل بياناتٍ تعادل ملايين مقاطع الفيديو المتزامنة (بنك الاستثمار الأوروبي، المفوضية الأوروبية، شركة مشروع الكابلات البحرية “ميدوسا”). ويُظهر الموقع الرسمي للمشروع نقاط إنزال في مرسيليا (فرنسا)، ومازارا (إيطاليا)، وييروسكيبو (قبرص)، وطرطوس (سوريا)، وبورسعيد (مصر)، والعقبة (الأردن)، لكن من دون إدراج لبنان.
في الواقع، انضمّ لبنان إلى كابل لا يرسو على أراضيه. غير أنّ المشاركة من دون نقطة إنزال تعني الوصول إلى الخدمة، لا السيادة عليها. والأسوأ من ذلك أنّ لبنان بالكاد تعامل مع الكابلات البحرية باعتبارها مسألة أمنٍ قوميّ أو جزءاً من استراتيجية الأمن السيبراني. ففي حين تعمل إسرائيل وقبرص واليونان ودول الخليج، والآن سوريا، على ترسيخ موقعها كممراتٍ بين الخليج وأوروبا، يتعامل لبنان مع الكابلات البحرية بوصفها مجرّد خدمة اتصال.
لهذا السبب، يحتاج النقاش اللبناني حول الكابلات البحرية إلى مقاربةٍ مختلفة. فالسؤال لا يقتصر على إمكانية قطع الإنترنت خلال الحرب، أو ما إذا كان الاعتماد على كابلٍ واحد يعرّض الاتصالات للخطر. بل إنّ القضية الأعمق تتعلّق بالسيادة الرقمية: هل يمتلك لبنان خياراتٍ استراتيجية بشأن مسارات بياناته؟ من يتحكّم بالبنية التحتية التي يعتمد عليها؟ ما حجم النفوذ الذي يملكه في ظل إعادة رسم المسارات الإقليمية، وما المخاطر التي يطرحها ذلك؟
ماذا يعني امتلاك كابل بحري؟
إنّ ملكيّة كابلٍ بحري تنطوي على طيفٍ من الحقوق والالتزامات المختلفة التي تتباين بحسب طريقة مشاركة الجهة المعنية في النظام. ويُلخّص الجدول أدناه أبرز أشكال المشاركة وما تمنحه عملياً من صلاحيات والتزامات.
الجدول 1: ملكية الكابلات البحرية — الحقوق الممنوحة والالتزامات المترتبة
| شكل الملكيّة | ما تمنحه من حقوق | ما تفرضه من التزامات |
| الملكية الكاملة | تحكّم كامل في التعاقد على الإنشاء، وتحديد المسارات، واختيار نقاط الإنزال، وجدولة الصيانة، وتوزيع السعات | تحمّل كامل مسؤولية التصاريح، ورخص الإنزال، وعقود التوريد، وتكاليف الصيانة |
| ائتلاف / ملكية مشتركة (عبر اتفاقية إنشاء وصيانة) | حصة نسبية من أزواج الألياف الضوئية، وحقوق تصويت في قرارات المشروع، وإمكانية الوصول إلى نقاط الإنزال بما يتناسب مع حجم الاستثمار | المساهمة في رأس المال، وتقاسم تكاليف الصيانة، والالتزام بالحصول على موافقة الشركاء قبل أيّ تغيير في الملكية |
| صفة جهة الإنزال | الحق (والالتزام) بإنزال الكابل على الأراضي الوطنية، والوصول إلى الكابل عند محطة الإنزال الوطنية، وإمكانيّة فرض رسوم عبور وإنزال | ضرورة امتلاك رخصة اتصالات وطنية وتصاريح إنزال، وتحمّل مسؤولية الجزء الأرضي داخل الحدود الوطنية |
| حق الاستخدام غير القابل للإلغاء (IRU) | حق حصري طويل الأمد (عادةً بين 20 و30 عاماً) لاستخدام سعةٍ محدّدة على كابل تملكه جهة أخرى، وهو حقٌّ لا يمكن سحبه، ويمكن بيعه أو التعامل معه كأصلٍ ماليّ | لا يمنح أي حقوق على الكابل المادي نفسه، ولا يتيح حقوق تصويت ضمن قرارات الائتلاف، مع تقاسم تكاليف الصيانة عبر اتفاقية إنشاء وصيانة |
| الجهة المنفّذة / المورّدة للكابل | التحكّم بعمليات الإنشاء المادي، وقرارات المسار أثناء مدّ الكابل، والبنية التقنية للنظام | الالتزامات التعاقدية المتعلّقة بالتسليم، والضمان، والإصلاح |
بناءً على ما سبق، تصبح السيادة مسألة ملموساً: فهل ينضمّ لبنان إلى مشروع “ميدوسا” كشريكٍ يمتلك قدرةً على التحكّم وحقوق الإنزال والنفوذ على المسارات، أم أنّه يشتري عملياً سعات من نظام جرى تصميمه في مكان آخر؟ وعند التفكير في هذا السؤال في ضوء محفظة لبنان من الكابلات، لا تبدو الإجابة واضحة. فأنماط مشاركة لبنان وملكيّته ضمن محفظته من الكابلات تكشف فجوة بين الانخراط الشكلي والسيطرة الاستراتيجية. ويُعدّ “ميدوسا” أحدث تجلٍّ لذلك، إذ لا تزال بيروت غير مدرجة كنقطة إنزال حتى الآن.
يحمل كابل IMEWE الجزء الأكبر من اتصالات لبنان الدولية. ويمتلك لبنان، من خلال هيئة “أوجيرو“، نحو 12% من هذا النظام، وهي حصة وازنة ضمن ائتلافٍ يدير مساراً بطول يقارب 13 ألف كيلومتر يربط الهند بأوروبا، مع نقاط إنزال متعدّدة بين مومباي ومرسيليا.
وينطبق الأمر نفسه إلى حدّ كبير على كابل “أليكساندروس” (Alexandros). فقد أعلنت السلطات اللبنانية شراء حصة بنسبة 25% في نظام “أليكساندروس” الفرعي المملوك لشركة Cyta ضمن مشروع TE North، بقيمة تجاوزت 20 مليون دولار عام 2013. وأدّى ذلك إلى رفع حصة لبنان من سعة “ألكسندروس” من 310 غيغابت في الثانية إلى 1,920 غيغابت في الثانية، ما يعني سرعات اتصالٍ أعلى وقدرة أكبر على استيعاب حركة البيانات من دون نقاط اختناق. غير أنّ النظام يرسو فعلياً في قبرص ومصر وفرنسا، فيما يصل لبنان إليه عبر البنية التحتية القبرصية، وليس بصفته جهة إنزال مباشرة.
ويُعدّ BERYTAR مثالاً آخر، إذ أُنشئ عام 1997 ككابلٍ ثنائي يربط لبنان بسوريا، من دون بنية ائتلافية أو ترتيبات مرتبطة بنقاط الإنزال.
أمّا CADMOS-2، الذي حلّ محلّ نظام كابل CADMOS الرابط بين لبنان وقبرص منذ عام 1995، فيشكّل الاستثناء الوحيد. فقد شاركت الدولة اللبنانية في توقيع وإنشاء وصلة ثنائيّة بطول يقارب 230 كيلومتراً بين بيروت وبنتاسخينوس. ويُعدّ هذا المشروع أقرب ما يكون في محفظة لبنان من الكابلات إلى الملكية المشتركة الفعليّة لنظامٍ ماديّ. لكن بالنسبة إلى المشغّلين القبرصيين، يمثّل CADMOS-2 وصلة بحرية جديدة تعزّز دور شركة Cyta كمركز اتصالات و”بوابة رقمية” بين أوروبا والشرق الأوسط.
الجدول 2: نظرة عامة على ملكية الكابلات البحريّة اللبنانية
| اسم الكابل | سنة بدء التشغيل / القرار | الجهة اللبنانية المالكة / المشغّلة | الشركاء الأجانب الرئيسيون | دول نقاط الإنزال |
| CADMOS | 1995 | وزارة الاتصالات اللبنانية | Cyta / الجانب القبرصي | لبنان، قبرص |
| BERYTAR | 1997 | وزارة الاتصالات اللبنانية | الشركة السورية للاتصالات | لبنان، سوريا |
| IMEWE | 2010 | “أوجيرو” كعضو لبناني في الائتلاف | المصرية للاتصالات، مجموعة شركة الاتصالات السعودية، شركة Orange، شركة Telecom Italia Sparkle، شركة Tata، وغيرها | الهند، باكستان، الإمارات، السعودية، مصر، لبنان، إيطاليا، فرنسا |
| CADMOS-2 | 2026 | وزارة الاتصالات اللبنانية | شركة Cyta | لبنان، قبرص |
| Medusa | موافقة مجلس الوزراء: 2026 | طلبت الوزارة الانضمام إليه؛ ولا تُظهر المصادر العامة حتى الآن إدراج لبنان كنقطة إنزال | مشروع الكابلات البحرية “ميدوسا” / شركة AFR-IX Telecom، مشروع مدعوم من الاتحاد الأوروبي | يشمل المسار المعلن أوروبا، وشمال أفريقيا، وقبرص، وسوريا، ومصر، والأردن؛ فيما لا يظهر لبنان على خريطة الإنزال الرسمية |
وتنتج عن هذا المشهد ثلاث نقاط ضعف أساسية.
أولاً: المشكلة الأمنيّة. تعتمد اتصالات لبنان الدولية على نقاط إنزالٍ أجنبية، وأنظمةٍ تتحكّم بها جهاتٌ خارجية، ومساراتٌ حساسة سياسياً. وفيما لا يثبت ذلك حصول اعتراض أو تخريب، تبقى مكامن الخطر بنيوية.
ففي النزاعات الحديثة، تشكّل الكابلات، والحوسبة السحابية، والبيانات الوصفيّة، ومراكز البيانات، ومحطات الإنزال جزءاً من المشهد الاستراتيجي نفسه.
ويرى موقع “ذا كرايدل” (The Cradle) أنّ التحديث الرقمي من دون حوكمة للبيانات، أو تشفيرٍ سياديّ، أو استراتيجيةٍ متعدّدة المورّدين، أو ضمانات حماية، قد يفاقم اختلال التوازن بدلاً من تعزيز السيادة.
ثانياً: مشكلة حركة البيانات. فالربط الرقمي هو شكلٌ من أشكال النفوذ، لأنّ حركة البيانات تُنتج تبعيّات وعائدات. وإذا أصبحت تدفّقات البيانات بين الخليج وأوروبا تمرّ عبر إسرائيل أو سوريا أو مصر أو قبرص أو اليونان، لن تبقى هذه الدول مجرّد نقاط عبور، بل ستتحوّل إلى عقَدٍ لا يمكن تجاوزها.
وقد تناولت مدوّنة على موقع “تايمز أوف إسرائيل” (Times of Israel) هذا الأمر بصراحة، ووصفت المشهد بأنّه “حرب كابلات” تواجه إسرائيل خطر خسارتها إذا تحوّلت سوريا إلى مسار سعودي موثوق نحو أوروبا. كما أفاد موقع “داتا سنتر ديناميكس” (Data Center Dynamics) بأنّ مجموعة شركة الاتصالات السعودية فازت بعطاء تشغيل مشروع “سيلك لينك” (SilkLink) السوري، مستحوذة على حصة بنسبة 75%، ضمن استثمار إجمالي يبلغ 800 مليون دولار، يشمل شبكة ألياف ضوئية بطول 4 آلاف وخمسمئة كيلومتر، ومراكز بيانات، ومحطات إنزالٍ بحرية، وروابط إقليميّة مع الأردن ولبنان وتركيا. كذلك أشار كلّ من “ميدل إيست آي” (Middle East Eye) و”ذا كرايدل” (The Cradle) إلى أنّ السعودية تسعى إلى إقامة ممرّ بياناتٍ يربط الشرق بالمتوسط عبر سوريا بدلاً من إسرائيل.
ثالثاً: مشكلة التحكّم المادي بالبنية التحتية. فعبارة “امتلاك كابل بحري” قد تحمل معانٍ مختلفة تماماً. إذ إنّ امتلاك حصة في نظامٍ لا يساوي شراء سعة منه، ومحطة الإنزال لا تعادل الجزء البحري “الرطب”، كما أنّ امتلاك حصة صغيرة ضمن ائتلافٍ لا يساوي أن تكون الدولة المعنية هي الجهة المحورية التي تحدّد عمليات التوسيع، والمسارات، وعمليات التطوير.
ويُجسّد كابل “أليكساندروس” (Alexandros) هذا الالتباس: إذ تشير التقارير اللبنانية إلى أنّ الوزارة اشترت حصة بنسبة 25%، بينما تصف المصادر المرتبطة بـ”أليكساندروس” النظام بأنّه بنية تحتية مملوكة من Cyta ومن تنفيذ TE North، وليس كنظام إنزالٍ لبناني (Submarine Networks).
لهذا السبب، لا يمكن مناقشة “ميدوسا” باعتباره مجرّد شبكةٍ احتياطية للإنترنت في حالات الطوارئ. فقد يكون ضرورياً بالفعل، خصوصاً أنّ نظام CADMOS الأقدم في لبنان بلغ نهاية عمره التشغيلي المفترض، كما تشير “مهارات” إلى أنّ العمر المتبقي لكابل IMEWE محدود أيضاً.
لكن الضرورة لا ينبغي أنّ تحدّد التوجّه الاستراتيجي. فإذا انضمّ لبنان إلى “ميدوسا” من دون توضيح ما إذا كان يمتلك سعات، أو أزواج ألياف ضوئية، أو حقوق إنزال، أو حقوق تطوير، أو مجرّد حقّ الوصول إلى الخدمة، فقد يكسب قدراً من المرونة التشغيلية، لكنّه سيبقى خارج لعبة الممرات الإقليمية.
ويطرح CADMOS-2 السؤال البنيويّ نفسه: فهو يعمّق اعتماد لبنان على بنتاسخينوس، وهي نقطة إنزال تندرج ضمن الدور الأوسع لقبرص كمركزٍ للكابلات والبنية التحتية في شرق المتوسط. كما تخدم نقطة الإنزال نفسها في بنتاسخينوس نظام MedNautilus الإسرائيلي–الأوروبي، وهو كابلٌ بحريّ يربط إيطاليا واليونان وتركيا وقبرص وإسرائيل.
لا يعني تمركز كلٍّ من CADMOS/CADMOS 2 وMedNautilus في بنتاسخينوس تلقائياً وجود نقطة ضعف، لكنّه يفاقم معضلةً أمنيّة وطنية: إذ إنّ البوابة الدولية الأساسية للبنان باتت تعتمد بشكلٍ متزايد على بنية تحتيّة مندمجة بصورة وثيقة مع حركة البيانات الإسرائيلية–الأوروبية، وهي لا تخضع لتحكّم الولاية القضائية اللبنانية.
أمّا استراتيجية الحدّ الأدنى المطلوبة، فهي واضحة المعالم. إذ ينبغي للبنان أن يُجري جردة شاملة بأصول الكابلات، ونقاط الإنزال، وحقوق السعات، والعقود، وعلاقات الاعتماد. كما ينبغي توضيح ما الذي تملكه الدولة، وما الذي تديره “أوجيرو”، وما الذي تتحكّم به الجهات الخاصّة، وما الذي يوفّره الشركاء الأجانب.
ويُفترض بلبنان أن يتعامل مع الكابلات البحرية باعتبارها قضية تتعلّق بالأمن القومي، والتخطيط الاقتصادي، والسياسة الخارجية، وأن يحدّد ما إذا كان يريد أن يكون مجرّد امتداد متوسطي، أو سوقاً احتياطية للوصول، أو عقدة استراتيجية تربط قبرص وسوريا والخليج وأوروبا.
فخريطة المنطقة الجديدة لن تُرسم عبر الخطابات عن السيادة، بل عبر الكابلات، ومحطات الإنزال، والمسارات، والعقود. ويمكن للبنان أن يواصل شراء حق الوصول إلى خرائط يصمّمها الآخرون، أو أن يقرّر أين يريد أن يكون موقعه عليها.
الصورة الرئيسية من: https://www.submarinecablemap.com/