على مرّ التاريخ، تشكّلت المجتمعات بفعل التقنيات التي غيّرت طريقة عيش الناس، وعملهم، وإدارة شؤونهم، وتبادلهم للمعرفة. ولم تكن منطقتنا استثناءً عن ذلك، فمن حركة الترجمة (نقل نصوص إلى اللغة العربية) وبيت الحكمة في بغداد (صرح علمي وثقافي كبير)، إلى الإنجازات الكبرى في الرياضيات والفلك والطب والهندسة، لم يكن العالم العربي مجرد مستهلك للمعرفة، بل كان أحد أبرز منتجيها. وكانت الأفكار والتقنيات الجديدة تُناقش، وتُطوَّر، وتُختبر، وتُكيَّف بما يلبّي احتياجات المجتمع. واليوم، يمثّل الذكاء الاصطناعي لحظةً تاريخيةً جديدة من هذا النوع.
ولا شك في أنّ تأثير الذكاء الاصطناعي بات يُرخي ظلاله على معظم جوانب حياتنا اليومية، فهو يغيّر طريقة وصولنا إلى المعلومات، والوظائف التي نتقدّم إليها، والرعاية الصحية التي نتلقّاها، والخدمات المالية التي نستخدمها، بل وحتى الطريقة التي تٌقدّم بها الحكومات خدماتها العامة. كما يترافق ذلك مع إطلاق الحكومات في المنطقة العربية استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وتفتح الجامعات برامج أكاديمية متخصصة، وتستثمر الشركات مبالغ كبيرة في هذا المجال، حتى أصبح الذكاء الاصطناعي محوراً أساسياً في النقاشات حول النمو الاقتصادي والتحول الرقمي.
أمام هذا الواقع، لا ينبغي أن نكتفي في منطقتنا بمراقبة مستقبل الذكاء الاصطناعي من بعيد، بل يجب أن نكون شركاء في صناعته والتأثير في مساره. لكن وسط هذا النقاش، قد نكون نطرح السؤال الخطأ. ففي كثير من الأحيان يبدأ النقاش بالسؤال التالي: كيف يمكننا تبنّي الذكاء الاصطناعي بأسرع وقت، في حين أنه من الأجدر طرح سؤال مُختلف مُتمثّل بأي نوع من المجتمعات نريد أن نبني؟ وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في تحقيق هذه الرؤية؟
لم تكن التكنولوجيا يوماً ذات قيمة لمجرد أنها جديدة. عبر التاريخ، تبنّت المجتمعات التقنيات لأنها ساعدتها على حل مشكلات حقيقية، وتحسين حياة الناس، وتوسيع الفرص، وتعزيز كفاءة المؤسسات العامة. ولا ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي استثناءً من هذه القاعدة.
ينبغي أن ينطلق الحكم على الذكاء الاصطناعي من هذا المنظور، أي قدرته على تطوير التعليم، وتعزيز الرعاية الصحية، والحد من البيروقراطية، ودعم المزارعين في مواجهة تحديات التغير المناخي، وتسهيل وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الخدمات، وتعزيز البحث العلمي، والحفاظ على اللغة العربية، وخلق فرص جديدة لرواد الأعمال والمشروعات الصغيرة.
أما إذا تحوّل إلى مجرد شعار سياسي جديد، أو مصطلح تسويقي، أو بتنا أمام سباق نحو استخدام التكنولوجيا دون أن نسأل: من المستفيد؟ ومن يتحمل المخاطر؟ ومن يُحاسَب عند وقوع الضرر؟ عندها سنكون قد أفرغنا الذكاء الاصطناعي من جانبه الإيجابي ليتحوّل إلى مُجرّد أداة تسويقية يستخدمها السياسيين لتلميع صورتهم أو ادعاء تحقيق إنجازات.
وهنا يبدأ الحديث عن الأخلاقيات، فعندما يسمع كثيرون عبارة “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”، يتبادر إلى أذهانهم نقاش فلسفي مجرد. لكن في الواقع، تطرح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي سؤالاً عملياً وبسيطاً: كيف نضمن أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان في خدمة التكنولوجيا؟
يقلقني ما حصل منذ يومين مع شركة “أوبن إي اي”، إذ أنها خرجت عن سيطرة مشغليها وقرصنة باقي البرامج بطريقة احتيالية مستقلة. لذلك، ينبغي أن نتذكر دائماً أن وجود إطار أخلاقي ليس أمراً ثانوياً، بل هو الجسر الذي يربط بين الإمكانات التقنية والمصلحة العامة. فهو لا يقتصر على تمكين المجتمعات من معرفة ما يمكن للتكنولوجيا تحقيقه فحسب، بل أيضاً ما ينبغي لها أن تقوم به، وفي أي ظروف، وكيف يمكن الحفاظ على الإشراف البشري والمساءلة في كل مرحلة من مراحل استخدامها.
ويقدّم لنا التاريخ مثالاً آخر يستحق التأمل يتمثّل بالنار التي تُعدّ واحدة من أقدم التقنيات وأكثرها تأثيراً في تاريخ البشرية. فقد مكّنت الإنسان من الطهي، وبناء الحضارات، وتوليد الطاقة، ودفع عجلة التقدم العلمي. لكنها، في الوقت نفسه، قادرة على تدمير المنازل والغابات والمدن بأكملها إذا خرجت عن السيطرة.
لم يكن ردّ البشرية على ذلك أن تحظر استخدام النار، أو أن تتجاهل مخاطرها، بل بنت حولها منظومة متكاملة من القوانين والمعايير والمؤسسات: أنظمة البناء، وإجراءات السلامة، وأجهزة الإطفاء، والتعليم، والتأمين والتدريب المهني.
والذكاء الاصطناعي يستحق النهج نفسه.
لا يكمن التحدي الحقيقي في تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي خيراً أم شراً، فهو كالنار أداة قوية يمكن أن تُستخدم في الاتجاهين. وهنا يُصبح السؤال الطبيعي: كيف نحكم هذه التكنولوجيا ونضع الأطر التي تضمن استخدامها بما يخدم الإنسان والمجتمع؟
