يوليو 15, 2026 | أخبار

استراتيجية ليبيا للذكاء الاصطناعي: وعود تشاركية لا تجد طريقها للتنفيذ

أمجد بدر الشويهدي
15 يوليو 2026

كشفت حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، خلال حفل أقيم في طرابلس في الأول من يونيو/حزيران 2026، عما وصفته بأنه علامة فارقة في المستقبل الوطني الرقمي: الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2026-2030 إلى جانب الميثاق الوطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، حيث وصفها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة بأنها نقطة تحول، مشيراً إلى أن ليبيا ستبني “اقتصاداً قائماً على المعرفة” يرتكز على الابتكار والسيادة الرقمية و”الكرامة الإنسانية”. كما يؤكد الميثاق على مركزية الإنسان في تطوير الذكاء الاصطناعي، باعتباره أداة داعمة للقرار البشري وليست بديلاً عنه.

تعتمد كلتا الوثيقتين بشكل كبير على مصطلحات الحقوق والأخلاق والشمول. إذ يُدرج ميثاق الأخلاق الشفافية والإنصاف والمساءلة والخصوصية و”القيم الإنسانية” ضمن مبادئه الأساسية. ومن المثير للاهتمام أن  الاستراتيجية تعد باتباع “نهج تشاركي” داعية لإشراك القطاع الخاص والجهات الأكاديمية المعنية في صياغة خارطة طريق البلاد حتى عام 2030 إلا أن هذه الوعود تصطدم بجدار الواقع حيث تبرز الكثير من التحديات أمام الاستراتيجية والميثاق. 

تكشف قراءة متأنية للوثيقتين، بما في ذلك ملاحقهما وقوائم الجهات المعنية ومقترحات الحوكمة، عن صورة أكثر تعقيداً . فقد جرت المشاورات التي أعقبت صياغة هاتين الوثيقتين بشكل شبه كامل داخل أجهزة الدولة، حيث غاب عن عملية الصياغة والاستشارات كل من المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية المستقلة وجماعات حقوق الإنسان، كما أن التصميم المؤسسي المقترح — المتمثل في الممارسة الاجتماعية السياسية التي ترسخ قواعد وأدوار وهياكل المنظمات لحل المشاكل وتحقيق الأهداف — لإنفاذ الحقوق لا يترك للمواطن سوى عدد قليل من السبل المستقلة للتسوية.

من كان موجوداً في النقاش؟

يتضمن ملحق الاستراتيجية قائمة بالمؤسسات الثلاث عشرة التي شاركت في “المشاورات الوطنية” التي عُقدت في مايو/ أيار 2026، والتي قامت بتعبئة الاستبيانات التي استند إليها تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات. وكل منها عبارة عن وزارة حكومية، أو هيئة تنظيمية مرتبطة بالدولة.

لا توجد أي جامعة في القائمة، على الرغم من ذكر “الأوساط الأكاديمية” صراحةً كشريك في الاستراتيجية ذاتها. ولا تواجد لأي منظمة مجتمع مدني، أو هيئة مستقلة لحقوق الإنسان، أو نقابة صحفيين أو إعلاميين، أو جماعة معنية بحقوق ذوي الإعاقة، أو منظمة تمثل المرأة أو الأقليات، أو هيئة لحماية المستهلك. أما أصوات “القطاع الخاص” الموجودة فتقتصر على شركات الاتصالات والتكنولوجيا المالية ذات المصالح التجارية الربحية في السياسات التي ساهمت في صياغتها.

هذا ليس استنتاجاً، فالاستراتيجية واضحة بشأن منهجيتها. إذ ينص ملخصها التنفيذي على أن الوثيقة أُعدت “من خلال نهج وطني تشاركي وبالتشاور مع الجهات الحكومية المعنية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والخبراء؛ ومع ذلك، فإن الملحق الذي يسرد المشاركين الفعليين لا يتضمن أياً من الفئتين الأخيرتين. إن الفجوة بين الادعاء والسجل الموثق هي أوضح دليل على أن “المشاركة”، في هذه الاستراتيجية، تعني التنسيق بين الوزارات.

ومن اللافت للنظر أن نص الاستراتيجية نفسه يبدو وكأنه يُقرّ بذلك. فمن بين مبادراتها الخمس والثلاثين، تدعو المبادرة رقم 35 إلى “إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والشباب في لجان الاستراتيجية”، كما يُقترح عقد منتدى وطني سنوي كمنصة للحوار مع المجتمع المدني في المستقبل حسب كل من الركيزة الأولى  والسادسة. بعبارة أخرى، تُعامل الوثيقة المشاركة المجتمعية الواسعة على أنها مخرجات مستقبلية من المقرر تنفيذها بعد اعتماد الاستراتيجية بالفعل، وليس كعملية ساهمت في صياغة محتواها. يُدعى المجتمع المدني إلى تأييد القرارات المتخذة مسبقاً، لا إلى المساعدة في تشكيلها.

يتبع ميثاق الأخلاقيات النمط نفسه، إذ تنسب عملية الصياغة إلى الهيئة العامة للمعلومات “بالتنسيق مع الكيانات القطاعية والهيئات الوطنية ذات الصلة”، وهي لغة لا تذكر، مرة أخرى، أي جهة فاعلة من المجتمع المدني، أو أي مؤسسة أكاديمية، أو أي هيئة مستقلة معنية بالأخلاقيات أو الحقوق في أي مكان في سلسلة الصياغة.

إطار حقوقي بلا آليات مستقلة

يُعدّ ميثاق الأخلاقيات، لحسن الحظ، الوثيقة الأكثر مراعاةً للحقوق من بين الوثيقتين. فهو يلتزم بخصوصية البيانات، وعدم التمييز، والمساءلة عن الأضرار الناجمة عن الخوارزميات، وحظر الاستخدام الخادع لتقنية التزييف العميق، ومبدأ الإشراف البشري الفعال على قرارات الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر في مجالات الصحة والعدالة والأمن. وهذه التزاماتٌ جديرةٌ بالترحيب من حيث الشكل .

لكن البنية المؤسسية المصممة لإنفاذها تثير مخاوف جدية، تتمثل فيما يلي:

الهيئة الرقابية ليست مستقلة – يقترح الميثاق إنشاء “هيئة رقابية وطنية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي” للإشراف على الامتثال، والموافقة على الأنظمة عالية المخاطر، والاحتفاظ بسجل لشهادات “الامتثال الأخلاقي” (ص 12). ومن المفترض أن تُنشأ هذه الهيئة من قبل مجلس الوزراء، وأن ترفع تقاريرها إليه، وهو نفس الهيكل التنفيذي الذي يمتلك ويدير العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستخضع لتدقيقها. ولا يوجد أي بند ينص على تخصيص مقاعد لمنظمات المجتمع المدني، أو إجراءات ترشيح عامة، أو مصادقة برلمانية، أو ربط قضائي من شأنه أن يحميها من التدخل السياسي؛ وهو إغفال كبير في بلد يشير فيه تحليل المخاطر الخاص بالاستراتيجية ذاتها إلى “عدم الاستقرار السياسي” و”التشرذم المؤسسي” باعتبارهما تهديدين رئيسيين للتنفيذ (الملحق 5).

الانتصاف حاضر في الخطاب، غائب في التصميم – يدعو الميثاق إلى “آلية واضحة ومتاحة للشكاوى والاعتراضات الإدارية” على القرارات الخوارزمية — المتمثلة  في استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ  القرارات أو دعم الخيارات التي تؤثر على حياة البشر (ص 6) — ولكنه لا يحدد أي مواعيد نهائية للاستئناف، ولا هيئة استئناف مستقلة، ولا مساراً  للمراجعة القضائية، ولا التزاماً بالكشف عن المنطق الكامن وراء أي قرار خوارزمي سلبي للشخص المتضرر. وهذا الأمر بالغ الأهمية لأن ليبيا لا تملك حالياً هيئة فعّالة لحماية البيانات، ولا نظاماً لحرية المعلومات يُرسّخ هذا الحق عملياً. وتقر الاستراتيجية نفسها بأن قانون حماية البيانات والخصوصية الأساسي لا يزال في صيغته الأولية، ومن المقرر اعتماده في عام 2026 فقط بموجب الركيزة الثانية، مما يعني أن التزامات ميثاق الأخلاقيات المتعلقة بالخصوصية تستند حالياً إلى تشريع لم يُسنّ بعد.

اقتران السيادة الرقمية بالخصوصية الفردية – في كلا الوثيقتين، يُربط مفهوم “حماية البيانات الشخصية” باستمرار اعتبار “الأمن القومي” و”السيادة الرقمية” كقيمة واحدة غير قابلة للتفريق (انظر جدول القيم الأساسية للاستراتيجية، صفحة 18، ​​ومقدمة ميثاق الأخلاقيات، صفحة 3). هذا الإطار ليس حكراً على ليبيا – إذ تستند العديد من الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى السيادة جنباً إلى جنب مع الخصوصية – ولكن في سياق يتسم بضعف استقلال القضاء وانعدام حرية الصحافة لاختبار هذه المفاضلات، فإن الخلط بين مصالح أمن الدولة وحماية الحقوق الفردية يُخاطر بإخضاع الأخيرة للأولى كلما تعارضتا.

تقييم ذاتي للمخاطر – يُصنّف جدول تصنيف المخاطر الخاص بالميثاق أنظمة العدالة والأمن والصحة ضمن فئة “المخاطر العالية”، ما يستلزم “تقييماً أخلاقياً إلزامياً مسبقاً  بالإضافة إلى إشراف بشري” (ص 13). إلا أن التقييم يبدو أنه يُجرى من قِبل المؤسسة الحكومية المُنفِّذة نفسها؛ إذ يقتصر دور هيئة الإشراف على “التدقيق الدوري” بعد النشر، بدلاً من منح شهادة مستقلة مسبقة. وهذا أقرب إلى التنظيم الذاتي منه إلى المراجعة الفنية المستقلة التي تدعو إليها أطر مماثلة، بما في ذلك توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتي تستشهد بها وثائق ليبيا مراراً وتكراراً  كنقطة مرجعية.

إجراءات حمائية ضعيفة – يُشار إلى الأشخاص ذوي الإعاقة والقاصرين إشارة عابرة في إطار مبدأ خصوصية البيانات (صفحة 6)، إلا أن أياً من الوثيقتين لا تتناول المخاطر الخاصة بالسياق الليبي: استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الهجرة والحدود الذي يؤثر على اللاجئين والنازحين، أو مخاطر المراقبة البيومترية في ضوء الأنماط الموثقة في القطاع الأمني. وبالنظر إلى أن “الأمن” مُدرج صراحةً كقطاع ذي أولوية في نشر الذكاء الاصطناعي في كلتا الوثيقتين، فإن هذا الصمت يُعدّ لافتاً للنظر.

لماذا نهتم؟

لا تنفرد ليبيا وحدها بوضع إطار حوكمة للذكاء الاصطناعي يبدو أفضل مما هو عليه في الواقع. ففي جميع أنحاء المنطقة، تتسابق الحكومات لنشر استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي ومواثيق أخلاقية، غالباً ما تُصاغ بشكل صريح على غرار توصيات اليونسكو أو اللغة التنظيمية للاتحاد الأوروبي، مع استمرار الفجوة نفسها بين الخطاب التشاركي والصياغة المغلقة. ما يميز حالة ليبيا هو مدى صراحة الوثائق نفسها في كشف هذه الفجوة: استراتيجية تُصنّف مشاركة المجتمع المدني كمباردة مستقبلية بدلاً من واقع ناجح، وميثاق أخلاقي تقع هيئة إنفاذه بالكامل داخل السلطة التنفيذية التي من المفترض أن تراقبها.

بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني الليبية، والتقنيين المستقلين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، هذه هي اللحظة المناسبة للانخراط في النقاشات حيث لا يزال “المنتدى الوطني السنوي” وهيئة الرقابة الأخلاقية حبراً على ورق. وقد تركت الاستراتيجية نفسها، ربما دون قصد، الباب مفتوحاً بالاعتراف بأن المشاركة التي تدعيها لم تتحقق فعلياً بعد. وسواء بقي هذا الباب مفتوحاً، أو ما إذا كانت لجنة الأخلاقيات وآليات الرقابة لعام 2027 ستُشكّل بنفس الطريقة التي شُكّلت بها المشاورات الأصلية – من خلال تشاور الوزارات فيما بينها – فإن ذلك سيُحدد ما إذا كانت حوكمة الذكاء الاصطناعي في ليبيا ستصبح إطاراً حقيقياً لحقوق الإنسان أم مجرد غلاف إجرائي حول جهاز مراقبة وأتمتة للدولة.

أحدث المستجدات

أحدث المستجدات حول الحقوق الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا

21 سبتمبر 2026

العدّ العكسي بدأ: أقل من شهر يفصلُنا عن ملتقى “خبز ونت”!

16 سبتمبر 2026

نظارات “ميتا”: انتهاك للخصوصية في منطقة غرب  آسيا وشمال أفريقيا

16 سبتمبر 2026

شاركوا في هاكاثون الاتصالات الآمنة!

ابقوا/ين على اطلاع

واشتركوا/ن في نشرتنا البريديّة.