بطاقة حمراء بشأن الحقوق الرقمية: ما يجب معرفته قبل السفر إلى قطر بمناسبة بطولة كأس العالم

في الأيام القليلة المقبلة، ستصبح دولة قطر محطّ أنظار الجميع، إذ تستضيف البلاد إحدى أضخم الفعاليات الرياضية في العالم، ألا وهي بطولة كأس العالم لكرة القدم (الفيفا). واستجابةً لهذا الحدث، تعمل منظمة “سمكس” ومبادرة “تصنيف الحقوق الرقمية” (RDR) معاً على إطلاق سلسلة من ثلاثة أجزاء بعنوان بطاقة حمراء بشأن الحقوق الرقمية، تدقِّق في وضع الإنترنت والرقابة الرقمية في قطر خلال استضافتها بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا العام، وسط وابل من الانتقادات نتيجة سجلّها المتعلق بحقوق الإنسان.

يسافر الناس من مختلف بلدان العالم إلى قطر لمشاهدة المباريات أو تغطيتها، وتعمّ وسائل التواصل الاجتماعي منشورات تتضمّن إرشادات للمسافرين والأماكن الجديرة بالزيارة ونصائح من أجل تفادي الصدمة الثقافية التي قد يواجهها بعض السياح لدى زيارة هذا البلد العربي الصغير. ولكن، لا بدّ للأشخاص الذين ينوون السفر إلى قطر من التنبُّه إلى مسألة أخرى: على الرغم من أنّ قطر هي إحدى أكثر الدول الأكثر اتصالاً بالإنترنت في العالم العربي، يخضع استخدام الإنترنت لرقابة شديدة (مثلا: توجد قيود على استخدام تطبيقات الاتصال الصوتي). كذلك، تُجرى قطر عمليّات رقابة ممنهجة على الإنترنت. لم يكن ذلك يُثِر بعد انتباه الكثيرين على المستوى الدولي. أمّا الآن، فقد يتبدّل الوضع بسرعة نظراً إلى استضافة قطر فعالية عالمية ضخمة من هذا النوع. وعليه، ينبغي توخّي الحذر والانتباه إلى نوع المحتوى الذي تزورونه على الإنترنت، لأننا نتوقع أنّ لاعبي كرة القدم لن يكونوا وحدهم محطّ الأنظار خلال بطولة كأس العالم هذه.

ولكن فلنبدأ أولاً باكتشاف منظومة الإنترنت المجهولة نسبياً في قطر: يحصل مقدّمو خدمات الاتصالات في قطر على تصاريح من “هيئة تنظيم الاتصالات” التابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

حالياً، تعمل شركتان في هذا المجال في البلاد، هما “أوريدو” (Ooredoo) و”فودافون قطر” (Vodafone Qatar). تأسست “أوريدو” في الدوحة في العام 1987 (وحملت سابقاً اسم “كيوتل” حتى العام 2013). تندرج أسهم الشركة في بورصة قطر وبورصة أبو ظبي، لكنها مملوكة بشكل رئيسي من كيانات مرتبطة بالحكومة القطرية. أمّا “فودافون قطر” فهي شركة تابعة لشركة الاتصالات البريطانية المتعددة الجنسيات التي تحمل الاسم عينه (فودافون)، وهي أقلّ انتشاراً من “أوريدو” في البلاد. تُظهر كلتا الشركتين تلكُّؤاً في احترام حقوق الإنسان. في مبادرة “تصنيف الحقوق الرقمية” تقييم عمالقة قطاع الاتصالات (Telco Giants Scorecard) الذي يشمل شركة “أوريدو”، سجّلت هذه الشركة المعدّل الإجمالي الأدنى بين الشركات الخاضعة للتقييم، والبالغ عددها 12. أمّا سبب ذلك فيعود إلى غياب الشفافية في عملياتها. سيتعمّق الجزء الثاني من هذه السلسلة في تحليل نتائج هذا التقييم.

لسوء الحظ، لن يُشكّل مُقدِّم خدمة الإنترنت الخاص بك مصدر القلق الوحيد، فكلّ شخص يسافر إلى قطر في خلال بطولة كأس العالم سيُطلب منه تحميل تطبيق “هيا إلى قطر 2022” (Hayya to Qatar 2022)، وهو تطبيق بطولة كأس العالم الرسمي المُستخدَم لإدارة تصاريح الدخول إلى البلاد من أجل تتبُّع بطاقات المباريات والدخول إلى الملاعب واستخدام وسائل النقل العام مجاناً في خلال البطولة.

لم يطلع أحد المشاهدين الذي سيحضرون مباريات كأس العالم أو الصحافيّين الذين سيغطّون الحدث على التدابير والسياسات التي وضعتها اللجنة العليا للمشاريع والإرث – المسؤولة عن التخطيط والعمليات لاستضافة بطولة هذا العام – من أجل حماية معلوماتهم لدى تحميل تطبيق “هيّا”. تعلن سياسة الخصوصية في التطبيق، بشفافية، عن معلومات المستخدم التي تجمعها وطريقة جمعها، غير أنها لا تُدرج كلّ أنواع معلومات المستخدم التي تحصل عليها أو كلّ ما تشاركه أو الغاية من جمعها ومشاركتها. ولا تذكر سياسة الخصوصية بوضوح مدّة احتفاظ التطبيق بمعلومات المستخدم، كما أنها لا تقدّم سوى معلومات ضئيلة عن الرقابة. فضلاً عن ذلك، لا تذكر السياسة بوضوح الإجراءات المعتمَدة للاستجابة لطلبات الحكومة المرتبطة بمعلومات المستخدم المأخودة من تطبيق “هيّا” ومستخدمي البوابة. بدلاً من ذلك، تشير السياسة في الغالب بشكل مُبهَم إلى أنها قد تُفصِح عن المعلومات من أجل الالتزام بالموجبات القانونية المفروضة في دولة قطر وخارجها. اقرأوا المزيد عن تقييم “سمكس” لسياسات تطبيق “هيا” وفقاً لمنهجية “تصنيف الحقوق الرقمية” هنا (متوفر الآن بالإنكليزية وفيما بعد بالعربية).

وكانت قطر في خلال الجائحة، وضعت قطر تطبيق “احتراز” لتعقّب الإصابات بمرض كوفيد-19. في السابق، كان تحميل هذا التطبيق إلزامياً من أجل دخول البلاد، غير أنّه لا يزال مفروضاً لدخول المنشآت الصحية في البلاد.

تطبيق “هيا إلى قطر”؛ الصور مأخوذة من فيديوهات الاستفسار عن إجراءات قطر 2022

تفرض السلطات القطرية على مقدّمي خدمات الإنترنت حجب المواد الإباحية والنقد السياسي وأيّ معلومات تنتهك بشكل واضح المبادئ الأخلاقية الإسلامية. ويشمل ذلك المحتوى المتعلق بمجتمع الميم والموارد المتعلقة بالصحّة الجنسية.

بعبارة أخرى، الحقوق الرقمية غير محترمة في قطر. لكنّنا جاهزون للمساعدة! على غرار المؤثرين الذين يشاركون نصائح خاصة بالسفر لزوّار قطر، مثل التعامل مع الإنهاك الناجم عن اختلاف التوقيت والحرارة المرتفعة، والمطاعِم الموصى بها، واللباس المناسب، وغير ذلك، نمدّ يد المساعدة من خلال إطلاعكم/ن على أفضل ممارسات السلامة الرقمية التي ستضمن حماية خصوصيتكم/ن.

نصائح  أمان رقمي عند السفر 

آن الأوان للتحقق من أنّ كلمات المرور الخاص بكم/ن قوية بما يكفي، ومراجعة ما إذا كانت المصادقة الثنائية (2FA) مفعَّلة في كلّ الخدمات التي تستعملونها.

تذكَّروا: التشفير أفضل سلاح لكم/ن في وجه الرقابة، وذلك احرصوا دائماً على أن يكون الاتصال بالإنترنت يستخدم بروتوكول نقل النص الفائق الآمن (HTTPS) وتأكّدوا أنّكم/ن تستخدمون تطبيقات رسمية وآمنة للأجهزة المحمولة. يقدّم “تقييم شركات التكنولوجيا الكبرى” (Big Tech Scorecard) الأحدث، الصادر عن مبادرة “تصنيف الحقوق الرقمية”، ملخّصاً عن المنصات الرقمية الأشهر التي تُعلن بوضوح أنّها تشفّر الاتصالات الشخصية تلقائياً، ما يجعلها أكثر أماناً للاستخدام. ويجب أيضاً تذكُّر أنّه يمكن تشفير محرّكات الأقراص لا على هواتفكم المحمولة فحسب، بل أيضاً على أجهزة الكمبيوتر.

لدى الاتصال بشبكة الإنترنت، حاوِلوا القيام بذلك بواسطة خدمات هاتفكم المحمول، ولا تتصلوا إلّا بشبكات “الوايفاي” (WiFi) التي تثقون بها. وقد يساعد أيضاً استخدام الشبكة الخاصة الافتراضية (VPN) لتفادي القيود المفروضة من دولة قطر وتعزيز الخصوصية أيضاً. وعلى الرغم من أنّ قطر فرضت بعض القوانين المقيِّدة المتعلّقة بالجرائم السيبرانيّة، وبرغم أنّها تفرِض رقابة على الإنترنت، لا تشير أيّ تقارير إلى فرض قيود على خدمات الشبكة الخاصة الافتراضية.

في ما يتعلق بالتطبيقات، نظراً إلى أنّ تطبيق “احتراز” لم يَعُد مفروضاً، من المفضّل تفادي تثبيته. أمّا تطبيق “هيّا” فهو إلزامي لدخول البلاد والملاعب، وبالتالي لا مفرّ من تثبيته على هاتفكم المحمول. ومع ذلك، يمكنكم/ن عزل هذا التطبيق قدر الإمكان عن باقي البيانات المتوفرة على جهازكم/ن. حاوِلوا منح هذه التطبيقات أقلّ عدد ممكن من الأذونات، وقيّدوا نشاطها في وضع الخلفية (background mode). لقد حسّنت أنظمة التشغيل تدابيرها الأمنية مع مرور الوقت، لذلك يُفضّل استخدام الهواتف المحمولة الأحدث (Android 11 أو الإصدارات الأحدث، وiOS 16 أو الإصدارات الأحدث).

يتوفر لدى كلّ مستخدمي تطبيق “هيّا” خيار الحصول على شريحة “هيّا” من “أوريدو”، التي تتضمن سعة 2022 ميغابايت من بيانات الهواتف المحمولة. من المُغري دائماً الحصول على خدمة الإنترنت مجاناً، لكن ننصحكم بدلاً من ذلك بالنظر في إمكانية الاحتفاظ بشريحة بلدكم الأم واستخدام خدمة التجوال التي تقدّمها. تستخدم شركة “أوريدو” تكنولوجيا معقدّة تستند إلى الذكاء الاصطناعي كجزء من عملية الانضمام الرقمية، ممّا يعني أنّ عليكم/ن تقديم البيانات البيومترية للوجه إذا أردتم/ن استخدام شريحة “هيّا”.

بطاقة السلامة الرقمية. يمكنكم الاطّلاع على المزيد من الأدوات والنصائح لإبقاء بياناتكم آمنة في دليل الدفاع عن النفس ضد الرقابة الصادر عن مؤسسة الحدود الإلكترونية (Electronic Frontier Foundation).

تغطية كأس العالم

يرجّح أن يصادف الصحافيون/ات والناشطون على الأرض مجموعة متنوعة من الأحداث الجديرة بالتغطية المرتبطة بحقوق الإنسان والتكنولوجيا، بما فيها انتهاكات حرية التعبير عبر الإنترنت والقيود المفروضة على الخدمات، مثل تطبيقات نقل الصوت عبر بروتوكول الإنترنت (VoIP)، وتكنولوجيا الرقابة، وغيرها من المسائل المتعلقة بالحقوق الرقمية. وقد أطلقت منظمة “سمكس” دعوة للكتابة حول التكنولوجيا وحقوق الإنسان في سياق كأس العالم لكرة القدم.

ينبغي على الأشخاص الذين يغطّون هذه الأخبار التأكد من حصولهم على الصورة الكاملة للأحداث. وقد يعني ذلك التأكّد من مقدار القيود المفروضة على الإنترنت، والمحتوى الذي قد تعجزون عن عرضه والذي قد يكون مهماً جداً. لهذا الغرض، يمكنكم/ن إجراء بعض الاختبارات والتجارب، عبر أدوات مثل تطبيق “أوني” (OONI) من حزمة اختبار للتحقق من المواقع الإلكترونية ومنصات المراسلة والخدمات، بما فيها الشبكات الخاصة الافتراضية، المحظورة. يمكنكم تثبيت تطبيق “أوني” على جهاز الكمبيوتر المحمول أو الهاتف المحمول الخاص بكم.

في يومنا هذا، أصبح استخدام الهاتف المحمول والاتصال بشبكة الإنترنت على مدار الساعة وكلّ أيام الأسبوع أمرًا طبيعيًا لمعظم الناس. ويصحّ ذلك بشكل خاص للأشخاص الذين سيكونون في قطر لتغطية أخبار المباريات أو لاستخدامها كمنصّة من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان. وستستفيد الحكومات الاستبدادية من هذا الوضع. ستشكّل بطولة كأس العالم لكرة القدم (الفيفا) في قطر تجربةً مهمّة تبرهن مدى سهولة تخلّي الناس عن خصوصيتهم في خلال الفعاليات الضخمة، وذلك عن طريق تكنولوجيا الرقابة المتخفية على شكل تطبيقات رائعة. سبق أن أُطلِقَت ركلة البداية في ميدان حقوق الإنسان، ويبدو أن المباراة ستكون حامية الوطيس.

لاستكمال تغطيتنا بشأن الرقابة والقيود المفروضة على الإنترنت في قطر، سننشر جزءاً ثانياً من هذه السلسلة في خلال البطولة، بحيث سنتعمق أكثر في مسألتَي تطبيق “هيّا” وسياسات شركة “أوريدو”. تابعونا!

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة