لم يكن مفاجئاً للصحافي الفلسطيني هاني الشاعر أن يُحذف حسابه على “فيسبوك” للمرّة العاشرة، بل ما فاجأه أكثر تلقّيه في شهر حزيران/يونيو رسالة من الشركة تقول بأنّه لم يلتزم بمعايير “مجتمع فيسبوك” في وقت أصبح خبيراً بهذه المعايير ويحاول قدر الإمكان الابتعاد عن نشر أيّ محتوى قد تعتبره “فيسبوك” محتوىً تحريضياً أو خطاب كراهية.

“هذه الاستراتيجية التي تتبعها مواقع التواصل الاجتماعي مجحفة، فنحن ندافع عن الآراء والحريات ونغطي الأحداث في بلد محتل”، يقولها الشاعر لـ”سمكس” مؤكّداً أنّ منشوراته الأخيرة لم تخالف معايير “فيسبوك” بل تركّز على مواجهة جائحة كورونا داخل المجتمع الفلسطيني. يعتبر الشاعر، وهو صحافي يعمل في جنوب قطاع غزة، أنّ ما حصل معه ويحصل مع عشرات الصحافيين الفلسطينيين الآخرين من حظر من النشر وتعطيل للحسابات إنّما  يضرّ بجهد الصحافي ويهدّد مستقبله المهني، خصوصاً وأنّه في كلّ مرّة يخسر متابعيه والمحتوى الذي ينشره لأعوام.

دفع هذا الوضع المستمر منذ ثلاثة أعوام تقريباً مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين إلى إعادة النظر في بعض المنشورات، وخصوصاً الصحافيين وبعض الشخصيات العامة، من أجل تفادي حذف المحتوى أو حظر النشر الذي يلاحق حساباتهم خصوصاً إذا ما تضمّنت منشوراتهم جملاً وطنية بالنسبة إليهم. بدأت عمليات حذف المحتوى الفلسطيني في عام 2016 عندما بدأت شركة “فيسبوك” بحذف الكثير من المنشورات والحسابات، ثمّ تبعتها مواقع أخرى مثل “تويتر” و”إنستغرام” بحجة اتّباع القانون الأميركي الخاص بمكافحة الإرهاب، حسبما يوضح لـ”سمكس”، إياد الرفاعي، مدير “مركز صدى سوشال” الذي يدافع عن الحقوق الرقمية للمستخدمين في فلسطين. في المقابل، يشير الرفاعي إلى أنّ “هناك منشوراً تحريضياً تجاه العرب والفلسطينيين ينتشر كلّ 66 ثانية من قبل الإسرائيليين، ولا تفعل فيسبوك أي شيء تجاه ذلك”.

سجّل مركز “صدى سوشال” في العام الماضي أكثر من 950 انتهاكاً ضدّ المحتوى الفلسطيني، وفي هذا العام سجّل منذ بداية 2020 ولغاية نهاية آب/أغسطس قرابة 641 انتهاكاً على مواقع التواصل جلّها على “فيسبوك”، وبلغت ذروة الانتهاكات خلال شهر آذار/مارس مع 226 انتهاكاً.

توزّع الانتهاكات التي طالت المحتوى الفلسطيني في عام 2019. (الصورة من تقرير “صدى سوشال”)

يسعى المستخدمون الفلسطينيون إلى استرجاع حساباتهم والاحتجاج بطرق مختلفة، واستطاع “مركز صدى سوشال” إرجاع عشرات الحسابات على “فيسبوك” بعد مساعدة المستخدمين على تقديم اعتراض للشركة. وينتظر المركز ردّاً من “فيسبوك” على أكثر من 400  طلب آخر، وهي طلبات تتأخّر الشركة الأميركية في الاستجابة لها بحجة جائحة كورونا، وفقاً للرفاعي. أمّا بالنسبة إلى الخطوات الاحتجاجية، فقد عمد المستخدمون في فلسطين إلى وضع تقييم منخفض لتطبيقات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً “فيسبوك”، على متاجر التطبيقات بهدف تقليص ظهورها وتقليل التفاعل معها على هذه المتاجر. يرى الرفاعي أنّ هذه الخطوة حقّقت بعض أهدافها وأوصلت الرسالة الى شركات التواصل “بأنّ الفلسطينيين يرغبون بالتمتع بحرية التعبير والنشر كما غيرهم من مستخدمي هذا الموقع”.

حذف المنشورات والحسابات: تهديد دائم

غالباً ما يتعرّض حساب “فيسبوك” التابع لأمين عابد، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني مخيم جباليا شمال قطاع غزة، إلى حظر مؤقت لمدّة 24 ساعة في كلّ مرّة ينشر فيها “منشورات تتحدث عن التضامن مع الأسرى في السجون الإسرائيلية”، كما يقول لـ”سمكس”. وفي المرّة الأخيرة التي حاول فيها استرجاع حسابه على “فيسبوك” قبل شهر، وصلته رسالة تخبره بأنّه “لا يمكن استخدام فيسبوك بعد الآن”.

واجه عابد الأمر نفسه مع بعض المنشورات على” تويتر” والصور عبر “إنستغرام”، قبل أن تغلق حساباته على المنصّات الثلاث نهائياً ويمنع عليه استرجاعها. أمّا السبب فيعتقد أنّه يكمن في أنّ “الحكومة الإسرائيلية تحاول الضغط على شركات مواقع التواصل الاجتماعي للنظر في الحسابات الفلسطينية بحجة التحريض والعنف”. ولكنّه لا يرى مبرّراً لحذف الحسابات، خصوصاً وأنّ المنشورات في معظمها “لا تتضمّن عنفاً وكراهية بل مطالبات بحقوقنا الشرعية كشعب”. ويرى أنّ ما تفعله شركات وسائل التواصل إنّما يُعتبر “قمعاً لحقوقنا الرقمية وقماً للتعبير عن التضامن مع الأسرى مثلاً وهو ما يكفله القانون الدولي الإنساني”.

لم ينجُ صنّاع المحتوى في فلسطين كذلك من عملية إدارة المحتوى وحذف المنشورات والحسابات. يرى المختص في البحث الرقمي، حسن الداوودي، في حديث مع “سمكس”، أنّ “استراتيجية مواقع التواصل الاجتماعي تهدد الحقوق الرقمية عند صنّاع المحتوى والنشطاء والصحافيين الفلسطينيين”. يؤكّد الداوودي أنّ وسائل التواصل قد تحظر الحساب حتّى إن لم يكن صاحبه من كتب الخبر، كاشفاً أنّ هذا حصل معه شخصياً وأوقف حسابه بعدما شارك منشوراً يتضمّن شعار “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” التي تصنّفها الولايات المتّحدة في قائمتها للإرهاب من دون أن يكون هو من كتب المنشور الأصلي.

يفسّر الباحث الرقمي الأمر بتعاون “فيسبوك” الحثيث مع السلطات الإسرائيلية والتحيّز فيما خصّ المحتوى الفلسطيني، خصوصاً وأنّ شركة “فيسبوك” تستجيب لنحو 85% من الطلبات الإسرائيلية لحذف المحتوى الذي “يرونه إرهابياً أو مسيئاً”. أمّا بالنسبة إلى تكرار عمليات الحجب والحظر للمنشورات التي تتضمّن كلمات فلسطينية شائعة مرتبطة بمقاومة الاحتلال والأحزاب السياسية الفلسطينية والشهداء والأسرى في الآونة الأخيرة، فيقول الداوودي إنّ “فيسبوك طوّرت خوارزمية ذكاء اصطناعي من أجل حذف المنشورات التي تتضمّن كلمات محددة بشكل آلي ومن دون إبلاغ صاحب المنشور”.

حلول لمواجهة الحذف أو تفاديه

بالإضافة إلى العمل المنهجي لرصد واقع المحتوى الفلسطيني على النت والذي يقوم به بعض المؤسّسات المدنية مثل “مركز صدى سوشال” ومركز “حملة”، يواجه المستخدمون والمستخدمات في فلسطين الخوارزمية التي تحذف محتواههم عن طريق اتّباع بعض الحيل المبتكرة. بما أنّ المستخدمين أصبحوا يعرفون تقريباً ما هي الكلمات التي تلتقطها الخوارزمية (مثل “أسير”، “شهيد”، “مقاومة” “حركة حماس”، “حركة الجهاد الإسلامي”، “فدائوين”، “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”)، راحوا يعمدون في منشوراتهم إلى التحايل على هذه الكلمات المدرجة من خلال تقطيعها حيناً وإدماجها بحروف إنجليزية لتجنب رصدها حيناً آخر.هذه الطريقة وجد فيها أحمد النجار، وهو صحافي في غزة يستخدم “فيسبوك” لنشر الأخبار العاجلة، وسيلة للتحايل على خوارزميات شركات وسائل التواصل التي صنّفت الكثير من الكلمات التي يكثر استخدامها فلسطينياً ضمن “خطاب الكراهية”. ويقول النجار الذي تعرّض حسابه على “فيسبوك” للحذف مرّتين والحظر عدّة مرّات إنّه وجد في هذه الطريقة “وسيلة جيدة لتفادي الحذف أو الحظر… حتّى الآن”.

من جهة ثانية، يؤكّد  الداوودي لـ”سمكس” أنّ لا حلول جذرية لمشكلة الحجب وتفاديه بسبب الكلمات التي تحظرها خوارزميات شركات وسائل التواصل، حتّى لو كان المستخدم في خارج فلسطين وحتّى لو لجأ إلى خدمة “الشبكة الافتراضية الخاصة” (VPN).

يحمل الداوودي المسؤولية للمسؤولين الفلسطينيين جميعاً، بمن فيهم  الحكومة في قطاع غزة ومنظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب الفلسطينية لكونها “صمتت عن إعلاء صوتها لدى شركة ’فيسبوك‘ كما فعلت جهات إسرائيلية”. ولذلك، بالإضافة إلى تحيّز منصّات التواصل ضدّ المحتوى الفلسطيني، يرى الداوودي أنّ هذا الانتهاك للحقوق الرقمية الفلسطينية تسبّبت به هذه المنصّات وكذلك السلطات الفلسطينية بسبب تقصيرها في التعامل مع الموضوع. أمّا “الاستمرار بإهمال التواصل مع شركات التواصل الاجتماعي بهذا الخصوص سيزيد الوضع سوءاً في المستقبل القريب”، يختم الداوودي.

الصورة الرئيسية من “بيكساباي”.

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة