على الرغم من توسّع الحرب الإسرائيليّة على لبنان بداية آذار/مارس الماضي، قرّر الصحافي بلال قشمر البقاء في جنوب لبنان، إيماناً منه بأنّ عليه فعل ما هو أبعد من مجرّد الصمود، ويوثّق معاناة الناس، ويرصد الانتهاكات وما تخلّفه من تداعيات إنسانية.
في حديثه مع “سمكس”، يُشير قشمر إلى أنّ حال “شبكة الإنترنت والاتصالات في هذه الحرب أفضل مقارنةً مع حرب العام 2024، ويعود هذا إلى أنّ التيار الكهربائي لم ينقطع بعد عن هذه المنطقة ومحطات الإرسال فيها كما حدث خلال الحرب الماضية”.
“يعدّ الإنترنت والاتصالات الركيزتان الأساسيتان لعملنا، فأيّ مادة صحافية تفقد قيمتها إن لم نتمكن من إرسالها للوسيلة الإعلامية التي نعمل لحسابها”، يقول قشمر، مبدياً تخوّفه من إمكانية تعطل هذه الشبكة و”عزلنا تماماً”. تترافق هذه المخاوف مع قيام الجيش الإسرائيلي باستهدف جميع جسور نهر الليطاني بإستثناء جسرٍ واحد، مما يجعل من نظرية عزل منطقة جنوب الليطاني غير مستعبدة.
ما زالت الشركة الموكل إليها إتمام أعمال صيانة شركة الكهرباء قادرة على الوصول إلى المحطات وتصليح الأعطال، وذلك بالتنسيق مع الجيش اللبناني ولجنة الميكانيزم المعنيّة بمراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية (وهي آلية دولية تضم لبنان وإسرائيل وقوات اليونيفيل والولايات المتحدة وفرنسا)”، يضيف قشمر.
صعوبة في النقل المباشر
لا يعني تحسّن واقع شبكة الاتصالات والانترنت في جنوب لبنان، مقارنةً بحالها خلال الحرب الماضية، أنّها تعمل بشكلٍ ممتاز. وقد أقرّ وزير الاتصالات شارل الحاج، في تصريح صحافي، بأنّ “30 في المئة من شبكة الاتصالات في الجنوب متوقفة، ولكننا نعمل على إبقاء 70 في المئة شغالة بفضل جهود العاملين في القطاع“.
من جانبه، يروي مصوّر وكالة الصحافة الفرنسية (أ ف ب)، كونت حاجو، في حديث مع “سمكس”، تجربته مع خدمة الاتصالات والانترنت: “الكثير من المناطق التي نقصدها لتغطية غارات إسرائيلية لا تتوفّر فيها الشبكة، فمثلاً، عند استهداف حاجز الجيش اللبناني في منطقة العامرية (جنوب لبنان)، في 30 آذار/مارس الماضي، انتقلت إلى هناك لتغطية الحدث إلا أنّني لم أتمكن من القيام بعملي بسبب انقطاع الإنترنت والاتصالات”.
“في هذه الحالات، نعجز عن نقل الصورة مباشرةً على الهواء ونقوم بتصوير الحدث والانتقال الى مكانٍ يتوفّر فيه الإنترنت لإرساله. وكلّما اقتربنا من الحدود اللبنانية-الفلسطينية، تضعف شبكة الاتصالات والانترنت أكثر فأكثر”.
كما أنّه وفي العديد من المناطق التي تكون فيها إحدى شبكتي الخليوي “ألفا” أو “تاتش” غير متصلة، يستعين الصحافيون/ات ببعضهم البعض ممّن تتصل خطوطهم بالشبكة للوصول إلى الانترنت، وفقاً لحاجو.
وسائل الإعلام لا تدعم الصحافيين/ات
لا تقتصر التحديات على الصحافيين العاملين في جنوب لبنان، إذ يواجه الصحافيون/ات الذين اضطروا للنزوح إلى مراكز الإيواء تحديات عدم توفّر الإنترنت على حدّ سواء.
مع توسّع الحرب في 2 آذار/مارس 2026، سارعت الصحافية جنى بزي إلى مغادرة منزلها في الضاحية الجنوبية لبيروت برفقة عائلتها إلى أحد مراكز الإيواء في بيروت. تُشير بزي إلى أن الإنترنت “ليس ترفاً، بل حاجة أساسية وضرورية، ومن دونها، لست قادرة على ممارسة عملي كصحافية مع أحد المواقع الإلكترونية خارج لبنان”.
ما إن وصلت بزي إلى مركز الإيواء، اكتشفت أنّ الكهرباء وشبكة الانترنت ليستا متوفّرتين، فسارعت للاستعانة بشاحنٍ محمول لشحن هاتفها والاطلاع على آخر الأحداث والتواصل مع عائلتها وأصدقائها. في اليوم التالي، لم تتمكّن من ممارسة عملها عن بُعد بسبب سوء الارسال.
انتلقت بزي وعائلتها إلى منزل أحد الأقارب، غير أنّ بطء شبكة “الواي فاي” وانقطاعها المتكرّر “يجبرني على استخدام انترنت الخليوي، والاشتراك بباقات أكبر، ما وضع على عاتقي تكلفة مادية كبيرة لا تغطّيها المؤسسة التي أعمل لحسابها. وعلى الرغم من كلّ ذلك، ما زلت أُعاني من ضعف الشبكة”.
مطالب الصحافيين
أمام هذا الواقع، يُطالب الصحافيون/ات بجملة من الخطوات التي من شأنها تسهيل عملهم في الفترة المقبلة، أهمّها “وضع خطة واضحة للحفاظ على الاتصالات والانترنت في الجنوب”، وفقاً لحاجو، و”تعاون وزارتي الاعلام والاتصالات لتخصيص باقة مجانية أو مخفضة للصحافيين، أي على غرار الباقة التي قدمتها وزارة التربية للطلاب للتعلم عن بُعد”، بحسب قشمر.
تؤكّد بزي بدورها على ضرورة اتخاذ هذه الإجراءات، خاصّة وأنّ الصحافيين/ات، على حدّ قولها، يتحمّلون هذه التكاليف الباهظة “نتيجة ازدياد مصروفنا للانترنت بسبب مواكبتنا لأحداث الحرب، من دون أيّ تعويض”.