يحذّر خبراء الأمن السيبراني في “سمكس” من أنّ قرار “ميتا” إلغاء تقنية التشفير بين الطرفين (E2EE) للرسائل المباشرة على “إنستغرام” قد يشكّل خطراً جدّياً على مستخدمي الإنترنت، بمن فيهم الأطفال.
أعلنت “ميتا” الأسبوع الماضي، بدون أيّ ضجّة إعلامية، عبر تحديثٍ على “مركز المساعدة” الخاصّ بـ “إنستغرام”، أنَّ التشفير التامّ بين الطرفين لن يعود مدعوماً على المنصّة اعتباراً من 8 أيّار/مايو 2026.
برّر متحدّثٌ باسم “ميتا” هذه الخطوة بالقول إنَّ خاصّية التشفير التامّ بين الطرفين الاختياريّة لم تكن مستخدمة على نطاقٍ واسع. ويأتي هذا التغيير أيضاً في ظلّ تزايد المخاوف المتعلّقة بسلامة الأطفال على منصّات التواصل الاجتماعي.
ويحذّر المدافعون/ات عن الحقوق الرقمية من أنّ إلغاء التشفير التام بين الطرفين قد يؤدّي إلى مخاطر كبيرة على الأمن والخصوصية، ممّا يزيد من الانتقادات المتصاعدة حيال الممارسات التي تتّبعها “ميتا” مؤخّراً، والتي وثّقتها وحلّلتها “سمكس” مرّات عدّة.
وبحسب ضيا كيالي، وهو/هي محلّل/ة رئيسي/ة للسياسات وخبير/ة في الحقوق الرقمية لدى “سمكس”، عندما يتمّ تفعيل خاصّية التشفير التامّ بين الطرفين، تتحوّل الرسالة إلى رمزٍ غير قابل للقراءة قبل أن تغادر جهاز المُرسِل، وتنتقل بهذه الحالة عبر الإنترنت، ولا تُفكّ هذه الشيفرة إلّا عند وصولها إلى جهاز المتلقّي.
الحلّ ليس إلغاء التشفير
“لا يمكن حلّ مشكلة الإساءة الجنسية ضدّ الأطفال من خلال منح المزيد من الأشخاص إمكانية الوصول إلى المحادثات الحسّاسة”، بحسب مادلين بيليسي، وهي محلّلة رئيسيّة في مجال الأمن السيبراني لدى “سمكس”.
في حالاتٍ كثيرة، تحصل هذه التجاوزات بين أشخاصٍ يعرفون بعضهم البعض مسبقاً، وفقاً لما ذكرته بيليسي، وغالباً ما يكون المحتوى محفوظاً على الأجهزة الشخصية، كما يمكن للمعتدين إنشاء حساباتٍ جديدة بسهولة إذا تمّ حظرهم. فمجرّد زيادة الرقابة على الرسائل الخاصّة قد يُعرّض ملايين المستخدمين العاديين للخطر من دون معالجة السبب الجذري للمشكلة بشكلٍ فعّال.
في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، تزداد المخاطر على المستخدمين العاديين الذين يعتمدون على التشفير التامّ بين الطرفين للحماية. وقد أكّدت “منصّة دعم السلامة الرقمية” في “سمكس”، من خلال العديد من البلاغات، أنّ كشف الرسائل الخاصّة يؤدّي في أحيانٍ كثيرة إلى التشهير العلني في بيئات ما زالت تعاني من محدودية أطر الحماية القانونية والاجتماعية للنساء والفئات الهشّة.
تترافق هذه المخاوف مع تزايد انعدام الثقة في الطريقة التي تعتمدها المنصّات لإدارة بيانات المستخدمين، إذ فرضت “ميتا” مراراً وتكراراً حظراً كاملاً على حسابات الصحفيين/ات والناشطين/ات، وتحديداً في فلسطين، بحجّة انتهاك إرشادات المجتمع.
لم يثبت أنّ إلغاء التشفير بين الطرفين يحمي الأطفال، في حين ثبت أنّ الاتّصالات المشفّرة مفيدة للعديد من الفئات، بما في ذلك الأطفال.
وبعد اتّخاذ هذا الإجراء، يصبح تطبيق “واتساب” هو المنصّة الوحيدة المشفّرة بالكامل لدى “ميتا”. ومع ذلك، انتقدت “ميتا” مؤخّراً بسبب إدراج تقنية “ميتا” للذكاء الاصطناعي في تطبيق “واتساب”، ممّا يهدّد خصوصية المستخدمين، لا بل حتّى التشفير التامّ بين الطرفين، وذلك بالسماح لروبوت الدردشة بالوصول إلى بعض الرسائل بناءً على طلب أحد المستلمين.
تطبيق “واتساب” مشفّر، لكنّ “البيانات الوصفية تكشف الكثير”
تعتمد تطبيقات مثل “واتساب” هذا النموذج منذ فترة طويلة. ولكن حتّى مع التشفير، لا تزال الشركات تجمع البيانات الوصفية، التي يمكن تشبيهها بالمعلومات المكتوبة على غلاف ظرفٍ مغلق.
يشمل ذلك هويّة الشخص الذي تتحدّث/ين معه/ها، ووقت إرسال الرسائل، ووتيرة التواصل، ونوع جهازك، وموقعك الجغرافي التقريبي بناءً على عنوان “بروتوكول الإنترنت” (IP). وصحيحٌ أنّ هذه البيانات لا تكشف محتوى الرسائل، لكنّها تسمح باكتساب صورة تفصيليّة عن سلوك المستخدم وشبكته.
ووفقاً لكيالي، “تكشف البيانات الوصفية معلومات كثيرة عن الأشخاص، مثل وضعهم/نّ الصحّي، وانتماءاتهم/نَّ السياسية والدينية، وغير ذلك. من خلال استخدامكم لتطبيق واتساب، فإنّكم تمنحون شركة “ميتا” هذه المعلومات، ما يعني أنّها متاحة أيضاً لطلبات الجهات الحكومية”.
إذا تعرّضت شبكتك لتهديدٍ من جهة خبيثة (عمليات خرق مثلاً)، يمكنها الوصول إلى كلّ هذه المعلومات من خلال اعتراض بياناتكم وتتبّعها.
يمكن لـ “ميتا” أيضاً استخدام هذه المعلومات لتخصيص الإعلانات المناسبة لكم أو لأغراض التسويق. وأوضح كيالي أنّكم قد ترون مثلاً اقتراحات للصداقات على “إنستغرام” مستوحاة من معارفكم المهنية على “واتساب”.
تستخدم “ميتا” هذه البيانات داخلياً بشكلٍ أساسي لتحليل خصائص المستخدمين بهدف بيع إعلانات موجّهة بصورة محدّدة للشركات والمؤسّسات التي تسعى لبيع منتجاتها. ولهذا السبب، عندما تجرون بحثاً عن الأحذية مثلاً على “فيسبوك”، قد تظهر لكم إعلانات متعدّدة للأحذية في صفحتكم الرئيسية على “إنستغرام”. إنَّه نموذج عمل قائم على الربحية.
تطبيق “سيغنال” كخيار أكثر أماناً
يعتبر تطبيق “سيغنال” بديلاً عملياً ينصح به المدافعون عن الحقوق الرقمية وخبراء الأمن السيبراني، وهو منصّة للمراسلة المشفّرة بين الطرفين، مبنيّة على أساسٍ متين يحترم مبدأ الخصوصية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الكود البرمجي الخاصّ بتطبيق “سيغنال” مفتوح المصدر، ما يعني أنّ أيّ مستخدم للإنترنت يمكنه الاطّلاع عليه وتحديد الثغرات لتحسينها.
يجمع تطبيق “سيغنال”، على عكس تطبيق “واتساب”، مقداراً محدوداً من البيانات الوصفية. وبحسب بيليسي، كلّ ما يسجّله تطبيق “سيغنال” هو تاريخ إنشاء الحساب وتاريخ آخر اتّصال للمستخدم. ويعدّ الفرق الأساسي بين المنصّتين هو أنّ “سيغنال” يُشغّل بواسطة منظّمة غير ربحية، في حين أنّ “ميتا” هي شركة مساهمة، ما يعني أنّها تستفيد من بياناتكم لتحقيق الإيرادات والأرباح.
في هذا السياق، تقول بيليسي إنّ “الحيلة” الرئيسية للخصوصية هي أنّ تطبيق “سيغنال” يستخدم نموذج “المُرسِل المحجوب”، أي أنّ التطبيق لا يعرف من أرسل الرسالة ولا يمكنه تحديد عنوان “بروتوكول الإنترنت” (IP) الخاصّ به ومعلومات أخرى.
إنَّ المسألة التي أثارها قرار “ميتا” لا تقتصر على مجرّد ميزة في منصّة.
تتعلّق القضيّة بالتجاهل التامّ للخصوصية وحقوق الإنسان. ففي وقتٍ سابق من هذا العام، انتقدت “سمكس” شركة “ميتا” لافتقارها إلى المضمون الهادف في معالجة القضايا المهمّة في تقريرها عن حقوق الإنسان لعام 2024. وتعرّضت “ميتا” أيضاً للانتقاد عدّة مرات من “سمكس” وأعضاء آخرين في المجتمع المدني بسبب ممارساتها غير العادلة في الإشراف على المحتوى، بما في ذلك إخفاقها في إدارة الإعلانات السياسية بطريقة عادلة أثناء الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزّة.
في النهاية، يؤكّد الخبراء أنّ التشفير ليس عائقاً أمام أمان المستخدمين، بل على العكس تماماً. فالتشفير التامّ بين الطرفين يعدّ جزءاً أساسياً من السلامة الرقمية، لا سيّما في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث تبقى خصوصية التواصل أمراً بالغ الأهمّية للمجتمعات المعرّضة للخطر.