ما يمرّ به لبنان اليوم ليس تصعيداً عسكرياً مباشراً فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى حربٍ رقميّة ممنهجة تقودها إسرائيل، تسعى من خلالها إلى إعادة صياغة أنماط تواصل الناس، والتأثير في وعيهم وقناعاتهم، وحتى في آليات اتخاذهم للقرارات في أوقات الأزمات.
ولعلّ أخطر ما برز مؤخراً ضمن هذه الحرب الرقميّة هو تصاعد خطاب الكراهية ضدّ النازحين، وهو خطابٌ طائفيّ يعيد إلينا ذكريات الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي ظننّا أنّها انقضت منذ زمن طويل.
هذه الحرب حقيقيّة، وبصفتي فرداً ناشطاً في مجتمع الحقوق الرقمية، يمكنني القول إنّ ملامحها باتت واضحةً بالفعل.
أولاً، لا يخفى على أحدٍ كون إسرائيل لاعباً رئيسياً في عالم تكنولوجيا المراقبة، ويعني هذا أنّ منتجاتها تُستخدم لإتمام مهامٍ استخباراتيّة تهدف إلى اعتراض الاتصالات ورسم خرائط للشبكات. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة بالفعل أنّ هذه التكنولوجيا لا تعمل على المستوى الإقليمي فحسب، بل على نطاقٍ عالميّ واسع. ولا يهدّد هذا الواقع الجيوش فحسب، بل سيغيّر طريقة تواصل المدنيين/ات والصحافيين/ات والمنظمات، بالإضافة إلى آليّات عمل الحكومات، والمؤسسات العامة، والشركات الخاصة، والجيوش.
ثانياً، لا يمكن تجاهل التوسّع السريع لبرامج التجسس الحكوميّة، مثل تلك التي طوّرتها مجموعة “إن إس أو” (NSO) الإسرائيليّة، والذي جرى توثيقه مراراً وتكراراً من قبل منظمات مثل “سيتيزن لاب” (Citizen Lab). يوضح هذا المشهد كيفيّة تحويل الهواتف الذكيّة إلى أجهزة مراقبة كاملة. ويمكن أن يتيح الوصول إلى جهاز فردٍ واحد، الوصول إلى مجموعةٍ واسعة من البيانات الشخصية، بما في ذلك الرسائل والميكروفونات، والكاميرات، غالباً دون الحاجة إلى أيّ تفاعلٍ من المستخدم.
يشكّل انتشار برامج التجسّس وأدوات المراقبة على المستوى الإقليمي خطراً مستمراً على المجتمع اللبناني، الذي تكثر أصلاً مكامن ضعفه في مجالي الأمن الرقمي وحماية البيانات على وجه التحديد.
ثالثاً، لاحظنا انتشار حملاتٍ إعلاميّة خطرة على نطاقٍ واسع. وبالفعل، اعترفت منصات تكنولوجيا كبرى بذلك، إذ أقدمت كل من “ميتا” و”غوغل” على إزالة شبكات منسّقة مرتبطة بجهاتٍ إسرائيليّة، تستخدم حساباتٍ مزيّفة ومحتوى مُولّد بالذكاء الاصطناعي للتأثير على الخطاب العام العالمي، بما في ذلك لبنان والمنطقة الناطقة باللغة العربية. ولا تهدف هذه الحملات إلى الإقناع فحسب، بل إلى الإرباك والاستقطاب وتأجيج التوتر بين المجموعات المختلفة في لبنان.
رابعاً، سبق أن وثقنا في “سمكس” توظيف إسرائيل للتكنولوجيا في النزاعات، وذلك عن طريق التشويش على نظام التموضع العالمي (GPS) في أرجاء منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. وقد حذرت سلطات الطيران، بما في ذلك الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) التابع للأمم المتحدة، سابقاً من اضطراباتٍ تؤثر على أنظمة الملاحة المدنية، مثل خرائط “غوغل”. ويشكّل هذا أيضاً دليلاً آخر على أنّ الحرب الرقمية يمكن أن تؤثر بشكلٍ مباشر على السلامة الجسديّة والقدرة على التنقّل.
وأخيراً، تشير الحوادث التي نشهدها إلى احتمال توظيف التقنيّات التي نستخدمها في حياتنا اليوميّة، من أجهزة اتصالٍ وغيرها، كأسلحة حرب، الأمر الذي يطمس الخط الفاصل بين الهجمات الرقمية والعسكريّة/المادية.
لا تقتصر الحرب الرقمية على اختراق الأنظمة والأجهزة فحسب، بل تتعدّى ذلك لتصل حدّ التحكم في تدفّق المعلومات والتلاعب بها، وتعزيز انعدام الثقة القائم داخل النسيج الاجتماعي. وكوننا في خضمّ هذه الحرب، من واجبنا التصرّف بمسؤولية.
لا تزال استجاباتنا مجزّأة، إذ نواصل التعامل مع هذه الحوادث كأحداثٍ منفصلة عن بعضها البعض. الهجمات الإلكترونية، والمعلومات المضلّلة، وخطاب الكراهية، والاضطرابات التكنولوجية، كلّها أجزاءٌ من منظومة ضخمة ومنسّقة، صُمّمت للضغط على مجتمعنا.
الحاجة إلى مقاربة واقعيّة
ينبغي كبداية على الحكومة اللبنانية إنشاء وحدة طوارئ للاتصالات، للنظر فيالبنية التحتية الرقمية للبنان. وخلال الحرب على وجه التحديد، يجب على الحكومة العمل على تحسينمرونة الاتصالات، والسعي إلى تعاونٍ أفضل مع المؤسسات العالمية لضمان استجابةٍ أسرع وتوفير حمايةٍ أفضل للمواطنين.
على الصعيد الاجتماعي، لا يزال هناك الكثير مما يتعيّن القيام به، خاصةً عندما يتعلق الأمر ببناء ثقافة الوعي الرقمي. هناك حاجةٌ ملحّة لتعزيز الأمن والسلامة الفردية للمستخدمين/ات، ولعلّ الخطوة الأولى على هذا الطريق هي إدراك أنّ ليس كل ما نراه أو نسمعه عبر الإنترنت صحيح، ولو انتشر بسرعةٍ وكثافة.
تقع هنا مسؤوليةٌ أكبر على عاتق الصحافيين/ات والناشطين/ات ومنظمات المجتمع المدني، فممارسات الأمن الرقمي لم تعد خياراً، بل ضرورة. ومع ذلك، تتحمّل الحكومة اللبنانيّة المسؤولية الأكبر في كلّ هذا، فحتّى لو اتّخذ الأفراد كافة الإجراءات اللازمة لحماية بياناتهم الشخصية، لن يستطعوا ضمان بقاءها بأمان، وذلك بسبب افتقار بلادهم لإطارعملٍ قويّ لحماية بيانات، وهشاشة نظام أمنها السيبراني.
لطالما كان لبنان جبهةً مستعرة في هذا الصراع الإقليمي، واليوم، توسّعت هذه الجبهة لتشمل الفضاء الرقمي. وعليه، لا بدّ من دراسة الميدان الرقميّ كخطوة الأولى، والتعامل معه كواقعٍ نشط ذو عواقب خطيرة.
الصورة الرئيسية من Pexels