مع توسّع الحرب الإسرائيليّة على لبنان في الأول من آذار/مارس، عاد سؤالٌ بديهيّ ليطرح نفسه على الطاولة: كيف سيبقى اللبنانيون/ات على اتّصال مع بعضهم البعض ومع العالم؟
لم يختلف الحال كثيراً عمّا كان سائداً خلال حرب 2024، إذ لا تزال وزارة الاتصالات متخلّفة عن تقديم أيّ خطة طوارئ تضمن استمراريّة الاتصال بالشبكة في ظلّ القصف والنزوح والضغط السكاني المستجدّ على المناطق الآمنة.
بعد مرور 15 شهراً على عدوان أيلول/سبتمبر 2024، لا تزال أعطال الشبكة في الجنوب من دون صيانة كاملة. وعليه، وجّهت “سمكس” مجموعة من الأسئلة لوزارة الاتصالات للاستفسار عن أسباب هذا الإهمال، إلا أنّ الأخيرة أجابت بردّ خالٍ أيّ تفاصيل تقنيّة.
وزارة الاتصالات: لا خطة طوارئ واضحة
وبالتزامن مع غيابٍ شبه تام للمعلومات حول استمرارية الإنترنت، وإمكانيّة التعلّم عن بُعد، ودعم الكوادر الإسعافية والصحافيين، برزت جهودٌ لافتة هدفها تسريع إدخال “ستارلينك” حيّز الخدمة، ما يطرح تساؤلاتٍ إضافية حول طبيعة أولويات إدارة قطاع الاتصالات خلال الحرب.
ننشر أدناه ردّ مصادر الوزارة، مع تفنيد بعض النقاط التي كان يجدر بالوزارة التعلّم منها بعد الحرب الأخيرة، إلى جانب حلولٍ طرحتها “سمكس” بالتعاون مع خبراء في المجال.
بحسب مصادر الوزارة، “منذ اللحظات الأولى المفاجئة للأعمال الحربية، تُعقد اجتماعات يومية ومكثفة في الوزارة أو عبر الفيديو من أجل خطة الطوارئ التي تم تفعيلها، بحيث تعمل فرق الوزارة والشركات المشغّلة بشكلٍ متواصل لضمان استقرار الخدمة في المناطق الآمنة وإصلاحها في المناطق المتضررة أو المستهدفة”.
سؤالنا هنا: ما هي هذه الخطة؟ وما الفائدة التي ستعود بها على السكان في لبنان (المتأثرين بالحرب خاصة)؟ وهل هناك احصاءاتٌ تخضع لتحديثٍ يوميّ للمحطات الخارجة عن الخدمة من جراء الغارات الإسرائيلية؟
تتابع مصادر الوزارة: “اتخذت الوزارة كل الإجراءات والاحتياطات اللازمة، وهي تعمل كخلية نحل على مدار الساعة لمتابعة أوضاع الشبكات ميدانياً وتقنياً، بما يضمن استمرارية الخدمة واستقرارها من جهة، والحرص على سلامة العاملين في القطاع في ظل الظروف الصعبة، خصوصاً خلال تحركاتهم الميدانية في المناطق المتضررة أو المستهدفة وأثناء تنفيذ أعمال الصيانة. كما تولي الوزارة هذا الأمر أهمية قصوى، وترصد كل ما يطرأ على الشبكة بشكل مستمر، وتعمل الشركات المشغّلة على تعزيز قدرة الشبكة وزيادة الاستيعاب لضمان خدمة مستقرة في المناطق المكتظة”.
من ضمن الأسئلة العديدة التي لم تجب عليها الوزارة، استفساراتٌ حول كيفية تأمين الإنترنت في الأماكن التي تشهد ضغطاً سكانياً نتيجة النزوح، وإمكانيّة تعزيز الشبكة وتوسعتها، وعمّا إذا كان سيتم تركيب محطاتٍ متنقلة في مناطق الضغط السكاني. كلّها أسئلةٌ بديهيّة ومشروعة ما زالت بلا إجابات حتى الساعة، تاركةً حاجة الناس للاتصال والتواصل والبقاء على اتصال في مهبّ الريح.
كذلك، لم تجب وزارة الاتصالات عن أسئلة “سمكس” العديدة، وأهمّها مواكبة الوزارة لإطلاق عمليّة التعليم عن بُعد، وما إذا كان سيتمّ تأمين الإنترنت عبر أجهزة “الراوتر” مجاناً في مراكز الإيواء. علاوةً على ذلك، لم تعطِ الوزارة أيّ تفاصيل حول مسألة تمديد صلاحية تشريج خطوط الاتصالات، أو تأمين حزمٍ مجانية للطواقم الإسعافية والصحافيين والعاملين في الظروف الطارئة.
للمفارقة، علمت “سمكس” أنّ بعض موظفي “هيئة أوجيرو” ممتعضون من كيفية تعاطي الإدارة مع هذه الحرب، إذ لم تُشكّل خلية أزمة، ولم يُفعّل التنسيق بين المناطق لضمان استمرارية الشبكة، ولم تُعطَ أيّ توجيهاتٍ أو تعميمات تطال المدراء الفنيين. وقد حاولت “سمكس” التواصل مع مدير هيئة أوجيرو أحمد عويدات للاستفسار، إلا أنها لم تلقَ أي إجابة.
إصرار على إدخال “ستارلينك” حيّز التنفيذ
بناءٍ على كلّ ما سبق، يتّضح أنّ أولوية وزارة الاتصالات منصبّة على ملف “ستارلينك”. ففي الجلسة الحكومية التي انعقدت في 5 آذار/مارس، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني قراراً يقضي بالسماح لشركة “ستارلينك” ببيع خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية فوراً، وتوسيع الفئات المرخّص لها باستخدام هذه الخدمة قبل إتمام الإجراءات القانونية.
الوزارة نفسها التي تعمل على ضمان وتوفير الإنترنت الفضائي لفئاتٍ معيّنة، تستثني المواطنين من الحق في الاتصال والتواصل خلال الحرب. وبعد أن كان قرار تفعيل “ستارلينك” محصوراً بالشركات التجارية، توسّع ليشمل السفارات والجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية.
وبالعودة إلى الأسئلة التي وجّهتها “سمكس” للوزارة، لم تجب الأخيرة عن استفسارٍ متعلّق بتفعيل “ستارلينك”، والمخاطر الأمنية المترتبة على ذلك، ولا عن الجهة التي ستكون مسؤولة عن بيانات المستخدمين (التي يُفترض أن تمرّ عبر أجهزة مركز التحكم الأمني في قطر، والذي لم يكن جاهزاً قبل شهر أيار/مايو المقبل).
من جهتها، كشفت مصادر الوزارة لـ”سمكس” أنّ أيّ حلٍّ تقني، سواء كان عبر الأقمار الصناعية أو خدمة “ستارلينك” أو غيرها، يشكّل دعماً مهماً في الحالات الطارئة. وفي هذا الإطار، ردّ مجلس شورى الدولة وقف تنفيذ مشروع ستارلينك وتسير الأمور وفق الخطة الموضوعة. وبطبيعة الحال، لا إجابة حتى الآن عن مسألة تحكّم وتفرّد إيلون ماسك بقرار تفعيل “ستارلينك”، لا سيما أنه مرتبط بقرارات أميركية خارجية.
بعد ثلاثة أيام من تقديم “سمكس” الأسئلة للوزارة، والتي أجابت بشكلٍ عام دون تقديم أيّ شروحات تقنية، أو إعلانٍ يهمّ المواطنين، أعلنت الوزارة معالجة واحدٍ من الأمور المتعلقة بالخطوط الهاتفية الأرضيّة التابعة لشركة “أوجيرو”، خلال الحرب.
مبادرات رسميّة خجولة لاحتواء الأزمة
أصدر وزير الاتّصالات شارل الحاج قراراً يتيح للمشتركين الذين اضطروا إلى مغادرة أماكن سكنهم أو تضرّرت منازلهم بفعل العدوان الاسرائيلي، تقديم طلبٍ لوضع اشتراكاتهم الهاتفية أو اشتراكات الإنترنت خارج الخدمة من دون أي رسوم، على أن يتمّ التوقّف عن إصدار الفواتير واستيفاء الاشتراكات الشهرية العائدة لهذه الاشتراكات اعتباراً من تاريخ تقديم الطلب، أو التواصل مع المركز عبر الرقم 1515 أو عبر البريد الالكتروني thepeople@ogero.gov.lb، على أن تنحصر الطلبات باشتراكات المتضرّرين من العدوان أو النازحين.
أما في ما يخصّ إجراءات الشركتين المشغّلتين للقطاع، “ألفا” و”تاتش”، فأشارت مصادر شركة “تاتش” لـ”سمكس” إلى أنه منذ بدء الحرب الإسرائيلية على إيران، تم تفعيل خطة الطوارئ، وأُعطيت الأولوية لتأمين المواد الأولية ولا سيما المحروقات، لضمان استمرارية عمل المحطات، إضافة إلى تقسيم المهام بين الفرق التقنية على الأرض. كما تم توفير المعدات اللازمة لتنفيذ ترقية سعة المايكروويف وترقية شبكة الـ4G، والتي لم تكن متوفرة خلال الحرب السابقة.
وأضافت المصادر أنّ وضع الشبكة أفضل مقارنةً بالحرب الماضية، مؤكّدة أنّ الأماكن التي تشهد ضغطاً كبيراً تقتصر على منطقتي الشوف وعاليه، في حين كانت الشبكة خلال الحرب الماضية تعاني ضعفاً في الاستمرارية. كما تعمل فرق “تاتش” حالياً على تركيب محطات متنقلة في مراكز قريبة من الشوف وعاليه، إضافة إلى منطقة جبيل-كسروان. كما أكّدت مصادر “تاتش” لـ”سمكس” أنّ الاحتلال لم يستهدف أيّ محطات إرسال في الجنوب، إلا أنّ بعض المحطات بدأت تعاني من نفاذ مخزونها من المحروقات وسط تعذّر وصول الفرق التقنية إليها، فيما يجري التنسيق مع الجيش اللبناني لتأمين مادة المازوت لها.
وأخيراً، وفي ما يتعلق بمسألة التعليم عن بُعد، أطلقت باقة بيانات مجانية، تهدف إلى ضمان استمرار تعليم التلامذة والطلاب في كل المراحل، مع وصول مجاني إلى منصات التعليم عبر الشركتين. تتضمّن الباقة تفعيل الوصول المجاني إلى منصّتي “مايكروسوفت تيمز” (Microsoft Teams) و”مدرستي” من الإثنين إلى الجمعة، من 7:30 صباحاً حتى 2 بعد الظهر، لتمكين الأساتذة والطلاب من التواصل عن بُعد من دون استهلاك باقات بياناتهم الخاصة. ومن المتوقع أن يُعلن عن هذه المعطيات في بياناتٍ صحافية مشتركة صادرة عن وزارتي التربية والاتصالات.
وفي سياقٍ متّصل، طرحت “تاتش” باقة “التضامن” التي تقدّم 3 غيغابايت إنترنت وساعة تخابر مقابل دولارٍ واحد، بعد يومين من اندلاع الحرب، فيما لم تقم شركة “ألفا” بأي مبادرة في هذا الإطار. وقد حاولت “سمكس” التواصل معها، إلا أنها لم تتلق أيّ جواب.
في المحصّلة، تكشف هذه الحرب مجدداً هشاشة إدارة قطاع الاتصالات في لبنان، وغياب الخطط الواضحة، واستحالة الحصول على إجاباتٍ تقنيّة واضحة. وبين بيانات عامة من الوزارة ومبادراتٍ محدودة من الشركات، يبقى سكّان لبنان، على اختلاف مناطقه، الحلقة الأضعف في معادلة الاتصال خلال الأزمات.