بيروت، 9 آذار/مارس 2026 – تسببت إسرائيل بنزوح أكثر من نصف مليون من سكان جنوب لبنان وبيروت والبقاع، بعد أن بدأت جولة جديدة من القصف العشوائي استهدفت مختلف أنحاء البلاد، ما أدّى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي تعاني منها البلاد أصلاً.
وفي الوقت نفسه، تتردّدت أصداء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في أنحاء الخليج، بعد أن تعرّضت عدة قواعد عسكرية أميركية في عواصم خليجية لضربات إيرانيّة مباشرة. هذه المرة، امتدت الأزمة لتشمل المنطقة بأسرها، مخلّفةً مخاطر رقمية جديدة تهدّد المقيمين في البلدان الواقعة في دائرة الصراع.
فكيف استُغلّت الجبهة الرقمية خلال الأسبوع الأول من هذه الحرب الإقليميّة؟
تضرّر مراكز بيانات “أمازون ويب سيرفيسز” في الخليج
في وقتٍ سابق من الأسبوع الماضي، أعلنت شركة “أمازون” أنّ ثلاثة من مراكز بياناتها “أمازون ويب سيرفيسز” (Amazon Web Services) في كلّ من الإمارات والبحرين تعرّضت لضربات إيرانية، مما تسبب في انقطاع العديد من الخدمات الرقمية، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية.
ويقول راغب غندور، خبير الأمن السيبراني في “سمكس”، إنّه “لا يمكن لشركات البنية التحتية لمراكز البيانات، مثل أمازون وغيرها، أن تكون العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في منطقة ما، وأن تؤدي دوراً عسكرياً مسانداً في أخرى، ثم تتوقع من الأطراف الأخرى الفصل بين منشآتها خلال الحرب”.
“ما نشهده هو نتيجة حتميّة لعدم الفصل بين البنية التحتية الرقمية العسكرية والمدنية غير قابلة للفصل”، يضيف غندور.
تشكّل مراكز البيانات اليوم أصلاً استراتيجياً عربياَ وعالمياً، كونها تستضيف البنية التحتية الرقمية التي تقوم عليها المنصات الإلكترونية الكبرى وخدمات الشركات، وفي بعض الحالات، الأنظمة الحكومية.
وكان غندور قد ناقش سابقاً الأهمية الاستراتيجية لمراكز البيانات وتناميها في جلسة نظّمها شركاؤنا في مبادرة الإصلاح العربي (ARI) في فبراير/شباط الماضي. يمكنكم/ن مشاهدة الجلسة من هنا.
وبعيداً عن الاعتبارات التقنية، أدّت مراكز البيانات ومنصات خدمات الويب مثل “أمازون ويب سيرفيسز” و”غوغل” دوراً عسكرياً مهماً، لا سيما في سياق الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين. ففي عام 2025، اتهم تقريرٌ صادر عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي شركات التكنولوجيا الكبرى بالمساهمة في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
ويكشف هذا التقرير، إلى جانب إفصاحات أخرى تؤكّد تورّط شركات تكنولوجيا كبرى في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، عن مخاوف تتعلق بعسكرة التكنولوجيا واستخدامها في سياقات غير قانونية.
إعلانات مريبة لإثارة الفتن في لبنان
انتشرت إعلاناتٌ ممولة منشأة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تتضمن صوراً ومقاطع فيديو لشخصيات رسمية لبنانية بارزة، مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس الجمهورية جوزيف عون.

الصورة 1: إعلان يظهر رئيس مجلس النواب بري والأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في شدّ حبل مع خريطة لبنان. وُصف الأول بـ”منقذ البلاد”، فيما وُصف الآخر بـ”محرق البلاد”.
تدعو الجهات التي تقف وراء هذه الإعلانات، والتي ما زالت مجهولة، إلى “الحياد” والسلام مع إسرائيل، ما يعدّ أمراً غير قانوني في لبنان.
تعليقاً على هذه الإعلانات، يشير مدير برنامج الإعلام في “سمكس”، عبد قطايا، إلى أنّ خطورة هذه الإعلانات تكمن في أنها “ليست سياسية فحسب، بل تحاول فعلياً تجنيد أشخاص للقيام بأعمالٍ أمنية وعسكرية ضد بلدهم”.
كما وثّقت “سمكس” أيضاً انتشار استبيانات مجهولة المصدر على نطاق واسع، تسأل اللبنانيين/ات عن آرائهم بشأن الحرب. ويبدو أن بعضها مزيف، وربما استُخدمت لجمع البيانات تحت ذريعة تقديم المساعدات، بحسب قطايا.

الصورة 2: إعلان على موقع إخباري محلي يقول:
“لبنان على الحياد! لبيك يا لبنان” مع وجود زرّ ودعوة للمستخدمين للضغط عليه للمزيد، إلى جانب وسم “إجعلوا لبنان عظيماً مجدداً” (Make Lebanon Great Again) وعبارة “لبنان لا يريد الحرب”.
ليست هذه المرة الأولى التي تنتشر فيها هذه الإعلانات. وقد وثّقت “سمكس” سابقاً إعلاناتٍ مشابهة، ومحاولاتٍ مباشرة من جهاز الموساد لتجنيد جواسيس ومتعاونين يعملوه لحسابه. وكثُرت هذه الإعلانات خلال حرب 2024، واستمرت طوال عام 2025.
وفي دراسة سابقة بعنوان “حين تفشل الشفافية: سياسة الإعلانات السياسية لدى ميتا خلال حرب إسرائيل على غزة”، وجدت “سمكس” أنّ شركة “ميتا” سمحت بشكلٍ متكرر لرسائل الدعاية الإسرائيلية بالهيمنة على الإعلانات الممولة، على حساب الإعلانات الإنسانية التي تهدف إلى تقديم المساعدة للفلسطينيين في غزة. وبعد أن أثارت “سمكس” هذه المسألة مراراً مع الشركة، رفضت “ميتا” إزالة الإعلانات بحجة أنها لا تنتهك معايير المجتمع الخاصة بها.
تنصح “سمكس” بتجنّب التفاعل مع هذه الإعلانات أو إعادة نشرها. اقرأوا هذا التعليق الذي شاركه المدير التنفيذي للمنظمة، محمد نجم، لمعرفة المزيد.
إيران تقطع الإنترنت أثناء الحرب
طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إلى جانب عددٍ من المنظمات الحقوقية، بإعادة خدمات الإنترنت في إيران، بعد انقطاعٍ شبه كامل خلال الحرب.
وقد استخدمت الحكومة الإيرانية هذا الإجراء كتكتيك خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، لتقتصر قدرة المواطنين على الوصول إلى المواقع والخدمات التي توافق عليها الحكومة عبر شبكة إنترنت داخلية حصراً.
يحدّ قطع الإنترنت، خاصةّ أثناء النزاعات والحروب، من القدرة على الوصول إلى وسائل الاتصال الأساسية، وتواصل السكن مع بعضهم البعض، وتحديد مواقع الملاجئ والمستشفيات والوصول إليها. إضافة إلى ذلك، يعيق هذا الإجراء عمل الصحافيين الذين يوثقون جرائم الحرب.
هجمات احتياليّة تهدّد النازحين في لبنان
مع استمرار إسرائيل في استهداف المناطق السكنية في لبنان، يُجبر الناس على ترك منازلهم بحثاً عن أماكن أكثر أماناً. وتحذّر “سمكس” من عمليات الاحتيال التي يعمد الواقفون وراءها إلى ابتزاز الأفراد وجني الأرباح خلال الأزمات.
وقد أعددنا في “سمكس” حزمة من النصائح التي ستساعدكم على حماية أنفسكم جسدياً ورقمياً خلال الحرب قدر الإمكان.
من جهة أخرى، كشف بعض السكان في لبنان عن تلقيهم مكالمات تهديد تطلب منهم إخلاء أماكن سكنهم. وبما أنّ أيّ منّا معرّض لتلقي هذا النوع من الاتصالات، نشرت “سمكس” مجموعة إرشادات حول كيفية التصرّف في هذه المواقف.
“دول الخليج تتخذ إجراءات قانونية لـ”الحد من التضليل والذعر
في محاولة للحد من انتشار المعلومات المضللة والأخبار الزائفة خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية- الإيرانية، اتخذت حكومات مجلس التعاون الخليجي “إجراءات قانونية للحد من انتشارها والتخفيف من آثارها”.
وقد حذّر النائب العام لدولة الإماراتالسكان من أنّ تصوير مواقع الهجمات، أو نشرها، أو تداول صورها، قد يؤدي إلى نشر معلومات مضللة أو المبالغة في تصوير الوضع في البلاد، مما قد يثير حالة من الذعر بين السكان. كما حذر من تصنيع صور أو محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يعد جريمة بموجب الإطار القانوني الحالي في الدولة.
وفي خطوة مشابهة، أعلنت قطر توقيف 313 شخصاً بتهمة نشر معلومات مضللة حول الهجمات الإيرانية، كما اتخذت البحرين والكويت إجراءات مماثلة لأسباب من ضمنها “نشر معلومات مضللة” و”السخرية من الوضع”.
تحذّر “سمكس” من أنّ مثل هذه الإجراءات قد تكون لها تداعيات سلبية، إذ قد تؤدي إلى تضييق على حرية التعبير والعمل الصحافي، خاصّة في الدول ذات الأنظمة القمعيّة مثل دول مجلس التعاون الخليجي، التي لطالما استخدمت قوانين الجرائم الإلكترونية والأطر القانونية لتشريع احتجاز أفراد بسبب انتقادهم الحكومة أو سياساتها.