يسيطر على سوق الهاتف الجوال في سوريا مشغلان اثنان، هما “سيريتل (Syriatel)” و”إم تي إن سوريا (mtnsyr)”. ولملكية هاتين الشركتين حكاية خاصة، سواء خلال عهد النظام السابق الذي أحكم قبضته على قطاع الاتصالات عبر شخصيات مقربة منه، أو خلال عهد السلطات الحالية، إذ يسود ملكية الشركتين الكثير من الغموض وانعدام الشفافية.
وأعادت قضية رفع أسعار الانترنت في سوريا تسليط الضوء على قطاع الاتصالات والسياسات التي تحكمه. وعلى الرغم من غياب أيّ معلومات رسمية حول هوية الأطراف المالكة لكلّ من “سيريتل” و”إم تي إن سوريا”. إلا أنّ تحقيقاً لـ “رويترز” صدر في تموز/يوليو الماضي، كشف أنّ الشخص الذي يشرف على إعادة هيكلة الاقتصاد هو الشقيق الأكبر للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، حازم الشرع، عبر لجنة يرأسها شخص يحمل كنية “أبو مريم الأسترالي” واسمه الحقيقي إبراهيم سكرية. كما تشير المعلومات القليلة المتوفّرة عن سكرية إلى أنه أسترالي من أصل لبناني، مدرج على قائمة بلاده للأفراد الخاضعين لعقوبات بتهم تمويل الإرهاب.
عقب سقوط نظام الأسد، وضعت اللجنة التي يرأسها سكريّة يدها على أصول استثمارية ضخمة تجاوزت قيمتها 1.5 مليار دولار، كانت تعود ملكيّتها لثلاثة من أبرز رجال الأعمال المقربين من السلطة السابقة بحسب تقرير “رويترز”. وشملت عملية الاستحواذ شركاتٍ تابعة لتكتلٍ اقتصادي مقرّب من للأسد، من ضمنها شركة الاتصالات الكبرى التي تُقدر أصولها بنحو 130 مليون دولار. ومع ذلك، تمت هذه الانتقالات في بيئة تفتقر إلى إطار قانوني معلن وواضح.
غياب الشفافية في إدارة وملكية القطاع
قبل سقوط نظام السوري السابق، كانت الشركتان خاضعتان بشكل غير مُباشر لرأس النظام، بشار الأسد، عبر شخصيات مقربة منه. فشركة “سيريتل” أسسها ابن خال الأسد، رامي مخلوف، قبل أن تسحب منه السيطرة على الشركة سنة 2020 عقب خلاف مع النظام آنذاك. أما “إم تي إن” سوريا، فقد خضعت لحراسة قضائية منذ العام 2021، بعد فشل مفاوضات الاستحواذ عليها من قبل شركتها الأم، الجنوب إفريقية، لتصبح تحت إدارة شخصيات مُقربة من مستشار الأسد وفي مقدمهم مستشاره يسار إبراهيم.
يؤثّر غياب الشفافية، سواء كما في السابق أو اليوم، على المساءلة وجودة الخدمة، بالإضافة إلى التأثير على الخصوصية. وقد شهدت سوريا وضعاً مماثلاً عندما رفعت الأسعار بنسبة تتراوح بين 300 و1000 بالمئة، حيث نفض وزير الاتصالات عبد السلام هيكل مسؤوليته عن التسعير متهماً شركاتٍ خاصة. ومن جهة ثانية، يثير هذا الغموض تساؤلات كبيرة حول موضوعيّ الخصوصية وحماية البيانات، إذ يؤدّي تغييب المالك والمسؤول إلى ضبابيّة في عملية تخزين البيانات وجمعها ومعالجتها واستخدامها لأغراض أمنية، وصولاً إلى حجب وتعطيل خدمات معينة وفي مناطق محددة.
مستقبل شركتي الاتصالات
حافظت السلطات الجديدة على هامشٍ واسع من الغموض في قطاع الاتصالات، تاركةً مستقبل ملكية هذه الأصول وإدارتها في مهبّ الريح لناحية الوضوح والشفافيّة ، في ظلّ غياب أي قدرة على تقييم مستوى الحوكمة المعتمدة في عهد الإدارة الجديدة. علاوةً على ذلك، بدا لافتاً أنّ السلطات السورية الجديدة أقدمت، في مطلع أيلول/سبتمبر 2025، على اعتقال مالك جيوش، نائب رئيس مجلس إدارة “سيريتل” والمستشار القانوني الأول في شركة “أم تي إن” سابقاً، ثم أطلقت سراحه بعد 3 أشهر من دون أي توضيح ، فيما تشير بعض الترجيحات إلى كون هذه الخطوة جزءاً من خطّتها للسيطرة على القطاع.
في ظل هذا الواقع، قررت الحكومة السورية طرح رخصة جديدة لتشغيل شبكة الهاتف المحمول عبر مزاد، في محاولة منها لجذب استثمارات دولية، لتتولى الشركة الجديدة تشغيل إحدى الشبكتين القائمتين، بما في ذلك إدارة البنية التحتية وقاعدة المشتركين، وفقاً لما نقلته صحيفة “فايننشال تايمز“. ويتماشى هذا التوجّه مع ما سبق أن أعلنه وزير الاتصالات السوري، عبدالسلام هيكل، في 22 كانون الثاني/يناير الماضي، عن نية الحكومة طرح رخصٍ جديدة للاتصالات خلال الفترة المقبلة، و إجراء محادثات مع شركات اتصالات إقليمية وأوروبية للاستثمار في السوق السورية.
ووفقاً للصحيفة الأميركية، تجري الحكومة محادثاتٍ مع شركات اتصالات إقليمية ودولية، من بينها “زين” الكويتية و”أوريدو” القطرية، بالإضافة إلى “فودافون” البريطانية، والتي تمتلك شركة مجموعة الإمارات للاتصالات “إي آند” (&e) حصة تبلغ 16.6 في المئة منها. ولم تصدر أي تعليقات رسمية من هذه الشركات بعد على الصفقة.
وتنخرط السلطات السورية في مباحثات مع “بنك قطر الوطني” و”مؤسسة التمويل الدولية” التابعة للبنك الدولي، بهدف دعم الصفقة، التي من المقرر أن تتضمن رسم ترخيص يقارب 700 مليون دولار أميركي، إلى جانب استثمارات إضافية بنحو 500 مليون دولار لتحديث الشبكة ورفع قدرتها على استيعاب الطلب المتزايد على خدمات البيانات. ومن المقرر أن يكون 23 شباط/فبراير المقبل الموعد النهائي لتقديم طلبات المشاركة في المزاد، بحسب “فايننشال تايمز”.
ولكن، هل سيؤدي دخول شركة اتصالات ثالثة إلى فتح السوق فعلاً، أم إشراك شركة إضافية في السوق المحتكرة، لا سيما وسط الغموض الذي يلف ملكية قطاع الهاتف الجوال في سوريا؟
تجدر الإشارة إلى أنّ سوريا قد تكون الوجهة التالية لشركة “ستارلينك” بعد أن قامت بخطواتها الأولى للدخول إلى السوق اللبنانية. وقد أعلن هيكل، في اجتماع مع شرائح مجتمعية في محافظة حلب في شباط/فبراير الماضي، أنّ “شركة ستارلينك مهتمة بالسوق السورية، وقد وافقت على دفع رسوم قالت إنها لم تدفعها في دول أخرى”، في إشارة إلى توجّهٍ رسمي لقبول دخول الشركة الأميركية إلى السوق المحلية.، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية. وليس مفهوماً بعد لماذا تميل الحكومة السورية للاستعانة بالإنترنت الفضائي بدلاً من تحسين الإنترنت الثابت للمنازل أو الجوال.
لا شكّ أنّ إدارة قطاع الاتصالات في سوريا تتطلّب مستوى عالٍ من الوضوح والشفافية والحوكمة الرشيدة، وأن تكون آليات إدارة القطاع وملكيته واضحة ومعلومة للرأي العام. كما تفترض الحوكمة الفاعلة مكافحة الاحتكار، لما له من أثر مباشر في ضبط السياسات التسعيرية ومنع العشوائية في تحديد الأسعار، ولا سيما في ظل محدودية القدرة الشرائية لدى المواطنين. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي ضمان الحق في الخصوصية للمستخدمين، وتوفير الاستقلالية لشركات الاتصالات لناحية حماية البيانات ووجود إطار قانوني واضح لطلبات معالجة البيانات.