تخيل أنك تجلس في مقهى، تُجري حديثاً هادئاً حول العمل، أو السياسة، أو حياتك الشخصية. وعلى الطاولة المجاورة، يرتدي أحد الأشخاص نظارة، قد لا يكون ينظر إليك مباشرة، لكن نظارته تفعل ذلك. وفجأة، يصبح كل ما في الغرفة خاضع للمراقبة بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي.
هذا هو “مستقبل” المراقبة!
خلف هذه التكنولوجيا تكمن شبكة معقدة من القضايا التي تستحق التوقف عندها وفحصها بتمعن، لكنك عند التدقيق، قد ترغب في عدم اقتناء هذا المنتج.
“أنت لم ترَ شيئًا بعد”، “الإجابات أينما نظرت مع ذكاء ميتا الاصطناعي”، “لا تفوت أي لحظة مع تقنية الصوت المفتوح الأذن”، “اكتشف المستقبل مع نظارات راي بان ميتا الذكية التي تجمع بين الأناقة والتكنولوجيا الحديثة”.
هكذا تُسوَّق نظارات “راي بان ميتا” للجمهور عالمياً وفي منطقة شمال إفريقيا وغرب آسيا: كمزيج يجمع بين الموضة والتكنولوجيا ويتيح لمرتديها “ألا يفوتوا أي شيء”. إنها أجهزة متطورة مزودة بمقاطع كاميرا قادرة على تسجيل كل شيء وكل شخص في الوقت الفعلي.
قد تتساءل: لماذا ينبغي أن يهمني هذا الأمر؟
أولاً، قد تفقد آخر ما تبقى لك من خصوصية وحدود شخصية. فمع هذه النظارات “الذكية”، يمكن تسجيل كل حركة تقوم بها، بغض النظر عن مكان وجودك. لا دواعٍ لأن تكون شخصية عامة، يكفي فقط أن تكون موجوداً في مكان عام.
وفي حين أن انتهاك الحق في الخصوصية قد يطال الجميع بسبب نظارات “ميتا”، إلا أن المخاطر تظل أعلى بالنسبة للبعض، حيث يمكن أن تكون الخصوصية مسألة سلامة جسدية.
إذا كنت ناشطاً أو صحفياً، فإن نظارات “ميتا” يمكن أن تسهم في إلغاء الفاصل بين وجودك المادي وملفك الرقمي، مما يسهل جمع المعلومات حول عملك وخلفيتك، ويضع سلامتك الشخصية على المحك.
أما إذا كنتِ امرأة، أو طفلاً، أو مراهقاً، أو فرداً من مجتمع الميم + (LGBTQ+)، فأنت تواجِهِ/ين اليوم تهديداً أكبر يتجسد في التتبع، والتحرش، والابتزاز الخبيث. هذه النظارات ليست سوى أسلحة يمكن استخدامها لإلحاق الأذى بك.
ولكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
في منطقة شمال إفريقيا وغرب آسيا، تتعدى هذه النظارات “الذكية” كونها مجرد أداة تقنية، وذلك للأسباب التالية:
صعوبة رصد الكاميرات: الكاميرات المدمجة داخل النظارات يصعب اكتشافها، مما يرفع احتمالات سوء الاستخدام ومخاطره إلى مستويات عالية جداً.
ضعف المنظومة القانونية: الأطر والتدابير القانونية لحماية الحياة الشخصية/الخصوصية ومنع المراقبة تعتبر مجزأة، أو ضعيفة، أو غائبة تماماً.
ونعم، مهما حاولوا إقناعك بأن ضوء (LED) التنبيهي في تلك النظارات فعال وواضح، فإنه في الواقع لا يزال يصعب ملاحظته، بل يمكن التلاعب به بسهولة. وفي منطقة تعاني بالفعل من تحديات جسيمة مثل غياب الأطر القانونية الواضحة، وانتهاك الخصوصية الرقمية، والتهديد المستمر للمراقبة المستهدفة، تشكل هذه النظارات معضلة كبرى.
أظهر التحليل الذي أجراه الخبير التقني في منظمة “سمكس”، راغب غندور، أن هذه الأجهزة قادرة على تتبع ما يتجاوز قدرة العين البشرية على رؤيته. فتطبيق “ميتا للذكاء الاصطناعي” مزود بنماذج لكشف الوجوه عبر كود للتعرف على الوجوه يُدعى “NameTag”. وبناءً عليه، إذا مررت بجانب شخص يرتدي نظارات “ميتا” أثناء ممارسة حياتك اليومية بشكل طبيعي، فقد يتم تصويرك سِراً، والتعرف على هويتك دون أن توافق على ذلك.
لماذا يُعتبر الوضع أشد خطورة في منطقتنا؟
عندما تُصدَّر هذه المنتجات التقنية العالمية إلى منطقتنا، فإنها غالباً ما تتجاهل السياقات الثقافية ونقاط الضعف أو المخاطر الخاصة التي تواجهها مجتمعاتنا. فبعد أن فرضت المنصات العالمية إشرافاً غير عادل على المحتوى الموجه لمجتمعاتنا، جاء الدور الآن لمواجهة نشر أجهزة مراقبة تهدد بانتهاك الحق في الخصوصية وحرية التعبير.
إن هذا الخطر ليس مجرد فرضية نظرية، فمنطقة شمال إفريقيا وغرب آسيا تُعد المركز العالمي للمراقبة الرقمية المستهدفة. وفي ظل صعوبة مواكبة التشريعات والمشرعين لهذه التطورات، يظل ناشطو المجتمع المدني، والنساء، والصحفيون، وأفراد مجتمع الميم+ عرضة للابتزاز، والتتبع، والمراقبة. إن هذه النظارات المزودة بكاميرات تصوير يصعب رصدها قد تؤدي إلى ممارسات عنيفة وملاحقات قمعية، مثل ابتزاز أفراد مجتمع الميم وتحديداً تهديدهم، أو جمع معلومات شخصية لاستهداف المشاركين في التظاهرات العامة والناشطين ومضايقتهم.
الادعاءات الكاذبة بإمكانية الرصد السهل
لقد اختبرنا أيضاً الطرق التقنية المتاحة لكشف هذه النظارات. ورغم إطلاق تطبيقات للمساعدة في التعرف عليها (مثل Nearby Glasses أو BanRay) والتي تتبع إشارات “البلوتوث” عند تشغيل الجهاز، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الموثوقية التامة.
ويزداد هذا الأمر خطورة نظراً لسهولة التحايل على ضوء التنبيه (LED)، إذ يصعب التنبؤ بالضوء الأبيض المخصص للتصوير أو ملاحظته. وبإجراء تعديل تقني بسيط وغير مكلف، يمكن لذوي النوايا السيئة إيقاف تشغيل الضوء تماماً، مما لا يترك أي دليل على أن الكاميرا تقوم بالتسجيل.
عادةً ما يمكن كشف الكاميرات الخفية عبر تسليط الضوء عليها والبحث عن انعكاس العدسة (بشكل يشبه انعكاس أعين القطط في الظلام). غير أن نظارات “ميتا” صُممت لتبدو كأي نظارات شمسية تقليدية، فهي لا تعكس الضوء بشكل واضح، مما يجعل أجهزة كشف الكاميرات الخفية عاجزة غالباً عن تمييزها عن النظارات العادية.
تعتمد هذه النظارات على إشارتين لاسلكيتين مختلفتين للاتصال بالهاتف: حيث تستخدم “البلوتوث” للأوامر البسيطة، بينما لا تُفعّل شبكة “الواي فاي” إلا عند إرسال مقطع فيديو تم تصويره بالفعل. ولأن النظارات تسجل أولاً بصمت، فلا تظهر أي إشارة نشطة لشبكة الواي فاي أثناء عملية التصوير. وبحلول الوقت الذي ترصد فيه إشارة الواي فاي، يكون التسجيل قد اكتمل ويجري إرساله إلى الهاتف، مما يعني أنه لم يعد يمكن منعه التصوير.
ما الذي يمكننا فعله في مواجهة هذه الأدوات؟
فرض سياسات حظر التسجيل وحظر استخدام النظارات الذكية في مناطق محددة، مثل دورات المياه، ودور العبادة (المساجد أو الكنائس)، والمدارس.
نشر الوعي وتثقيف المجتمعات حول مخاطر هذه الأدوات، والحد من الرغبة في شرائها أو الترويج لها. وأخيراً، علينا الضغط على المشرّعين لسن قوانين واضحة وقابلة للتنفيذ تعالج هذه المخاطر وتحمي خصوصية الأفراد.
ابقَ على اطلاع، واحمِ نفسك، واحرص على مساءلة شركات التكنولوجيا عن الأدوات التي تطرحها في مجتمعاتنا. وإذا تعرضت للابتزاز أو لأي شكل آخر من أشكال الهجمات الرقمية، يرجى التواصل مع مكتب المساعدة للسلامة الرقمية التابع لمنظمة سمكس عبر:
واتساب/سيغنال: 133 633 81 961+
البريد الإلكتروني: [email protected]
نعمل حالياً على إعداد تقرير يتضمن نتائجنا التقنية الكاملة. اشترك في نشرتنا الإخبارية لتكون أول من يطلع عليه!
