تحت عنوان مكافحة “السوق السوداء” وضبط إيرادات شركتي الخليوي، تدرس وزارة الاتصالات اللبنانية تغييرات في طريقة التعامل مع الخطوط مسبقة الدفع. هذه التغييرات من شأنها أن تنتهي بإلغاء تحويل الرصيد من رقم إلى آخر، وتقليص خيارات شحن الرصيد الشهرية، بحيث يجد المواطن نفسه أمام معادلة بسيطة: أدفع أكثر، حتى لو لم تكن بحاجة إلى الخدمة.
لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة لإجراء مكالمة بل أصبح مرتبطاً بحسابات المستخدم على وسائل التواصل مثل “واتساب”، ومفتاحاً للمصادقة الثنائية، ووسيلة لاستعادة حساب مصرفي أو بريد إلكتروني، وخيطاً يصل المقيم بأفراد عائلته وعمله وحياته اليومية. ومع ذلك، لا يزال الاحتفاظ بهذا الرقم مرتبطاً في الخطوط مسبقة الدفع بمنظومة من الرصيد والصلاحية وشحن الرصيد الشهري.
وأعلن وزير الاتصالات شارل الحاج، طلبت الوزارة من شركتي “ألفا” و”تاتش”، الشركتين المشغلتين للهاتف الخلوي في لبنان والمملوكتين للحكومة، تقديم آلية لمعالجة ما تعتبره الوزارة “تسرباً في إيرادات التعبئة المسبقة”، على أن تتخذ الوزارة قرارها بناءً على المقترح. وقال الحاج في حديث صحافي تلفزيوني إنّ الوزارة “لن تسمح باستغلال الخدمة التي وُضعت أساساً لتسهيل أمور المشتركين وتحويلها إلى مصدر أرباح خارج الأطر القانونية”. لكن خلف عنوان “ضبط الإيرادات” سؤال آخر لا يقل أهمية: من سيدفع ثمن هذا الإجراء؟
استهداف الفئات الأكثر فقراً
يتعامل وزراء الاتصالات المتعاقبين، ومن خلفهم الحكومات، بذهنية تعتبر أن قطاع الاتصالات أشبه بـ”ضريبة” على المواطنين، ينبغي الحصول من خلالها على أكبر قدر من الإيرادات. في حين أن هذه الوزارة ليست جهة تجارية ولا ينبغي أن ينحصر هدفها برفع متوسط الإنفاق الشهري لكل مستخدم، بل إنّ دورها التنظيمي يفترض أن يوازن بين استدامة القطاع، وإيرادات الدولة، وحقوق المشتركين ولاسيما الفئات الأكثر ضعفاً بينهم، وإتاحة الخدمات بأسعار معقولة وملائمة للوضع الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه اللبنانيين خصوصاً أنّ جزءاً كبيراً من المواطنين يعيش في حالة من النزوح المستمر.
هكذا، يصبح قرار الوزارة المنتظر أشبه بعملية ابتزاز للمواطنين الذين سيضطرون إلى شراء خدمة أكبر من حاجتهم الفعلية وقدرتهم المادية، وما يتم تهديدهم به هو خسارة أرقامهم التي بعضهم امتلكها لعشرات السنين أو حتى ورثها عن والده. وبدل أن تسعى الوزارة إلى تحسين جودة الخدمات وتنويعها أكثر قررت اتباع سياسة الابتزاز من خلال تهديد المواطنين بإلغاء خطوطهم أو دفع مبالغ أكبر.
ولا بد من الإشارة إلى أن حماية الفئات الأقل قدرة على الدفع ليست فكرة غريبة عن تنظيم قطاع الاتصالات، فعلى سبيل المثال، توجد في بريطانيا نماذج مختلفة لخدمات الدفع المسبق، حيث تصف هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية خدمات الدفع المسبق بأنها مرنة ومناسبة خصوصاً للأشخاص الذين يستخدمون الهاتف بشكل متقطع. كما يتضمن التنظيم البريطاني للقطاع تعريفات اجتماعية مخفضة لخدمات الهاتف والإنترنت لمساعدة ذوي الدخل المنخفض، فيما تشجع الهيئة المنظمة الشركات على توفيرها.
الرقم ليس مجرد خط قابل للاستبدال
لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة لإجراء المكالمات، بل أصبح جزءاً من حياة المستخدم الرقمية: مرتبطاً بالحسابات المصرفية، وتطبيقات الدفع، وحسابات التواصل لا سيما “واتساب”، وخدمات استعادة الحساب والتحقق من الهوية، فضلاً عن العلاقات الشخصية والمهنية.
لذلك، فإنّ فقدان رقم قديم لا يعني خسارة خدمة اتصالات فحسب، بل قد يهدّد الوصول إلى مجموعة من الخدمات والحسابات المرتبطة به. من هنا، لا ينبغي التعامل مع الرقم كرصيد أو باقة يمكن استبدالها، بل كجزء من الهوية الرقمية للمستخدم، يستح الحماية والاستمرارية.
المغتربون أمام معادلة جديدة
إضافة إلى الفئات المهمشة والضعيفة، فقد يكون اللبنانيون المقيمون خارج البلاد من أكثر الفئات تأثراً بالنظام الجديد. فالمغترب في فرنسا أو كندا أو الخليج أو أفريقيا أو غيرها من البلدان والقارات قد لا يستخدم خطه اللبناني إلا عند زيارة البلاد، لكنه يحتفظ به لسنوات لأنه مرتبط بحسابه المصرفي، أو تطبيق “واتساب”، أو حسابات إلكترونية، أو لأنه وسيلة اتصال أساسية مع أصدقاء قدامى في لبنان.
بالنسبة إليه، لا يكون الهدف من الخط استهلاك المكالمات والبيانات، بل الاحتفاظ بالرقم والحفاظ على إمكانية الوصول إليه عند الحاجة. لذلك، فإن إلزامه بدفع مبالغ متكررة لمجرد عدم خسارة رقمه يضعه أمام خيار غير عادل: إما الدفع المستمر مقابل خدمة لا يستخدمها، أو المخاطرة بفقدان رقم يشكل جزءاً من حياته الرقمية.
أمام هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم الذي يفترض أن يُطرح على وزارة الاتصالات هو: لماذا يُعامل رقم الهاتف، حتى بعد استخدامه لعشر أو عشرين عاماً، كأنّه خدمة مؤقتة يمكن سحبها في أي وقت؟ صحيح أنّ من حق شركات الاتصالات أن تتقاضى بدلاً عن الخدمات التي يستخدمها المشتركون، من مكالمات وانترنت ورسائل وغيرها. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين أن يدفع المواطن مقابل خدمة يستهلكها، وبين أن يُطلب منه الدفع بصورة مستمرة فقط كي لا يفقد رقماً رافقه لسنوات وأصبح جزءاً من حياته اليومية والرقمية.
ياسين: الحل يكون ببطاقات لمحدودي الدخل
من جهته، قال مقرر لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، النائب ياسين ياسين، في تصريح لـ”سمكس”، إنّه “حتى اليوم، لم يصدر أي قرار رسمي عن وزارة الاتصالات في هذا الشأن. إلا أنّ المادة 28 من قانون الاتصالات رقم 431 تمنح هذه الصلاحية للمشغّل، وليس للوزارة، أي لشركتي الخليوي ألفا وتاتش”.
وأشار ياسين إلى أنّ “استغلال بعض التجار للمواطنين، من خلال بيع أيام إضافية أو أرصدة بالدولار مقابل مبالغ نقدية تفوق قيمتها الفعلية، أمر ينبغي وضع حدّ له”. واقترح أن تتم معالجة هذه المشكلة “بما يحافظ في الوقت نفسه على حق المواطنين في الوصول إلى خدمات الاتصالات والإنترنت، باعتبارهما من الحقوق الأساسية للإنسان”.
وأوضح ياسين أنّه “يمكن لشركتي الخليوي تخصيص باقات ميسّرة لمحدودي الدخل والطلاب والفئات المهمّشة والنازحين، على ألّا تتجاوز كلفتها دولارين أو ثلاثة دولارات، بما يضمن استمرار وصول هذه الفئات إلى الشبكة من جهة، ويحميها من استغلال بعض التجار من جهة أخرى”.
وفي مؤشر على تراجع أوّلي لوزير الاتصالات شارل الحاج عن هذا المسار، كتب عبر منصة “اكس” بأن ” المواطن عم يدفع، بس المصاري ما عم توصل لا للشركات ولا للخزينة. في شبكة عم تستعمل خدمة موضوعة لتسهيل حياة الناس بغير محلّها. لاحظت فروقات بالإيرادات، وطلبت التدقيق، وتبيّن السبب. ما في قرار صدر، وما في تاريخ. وما رح يصير أي إجراء يطاول خدمة المشترك قبل ما يكون في بديل رسمي بيأمّن خدمة بسعر يناسب أصحاب الدخل المحدود. الأرصدة محفوظة. التحويل بين المشتركين ما بينلغى. منوقّف التسرّب، مش المواطن”.
