قبيل اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان في بداية آذار/مارس، فعّلت الشركتان المشغّلتان لقطاع الاتصالات في لبنان، “ألفا” و”تاتش”، خدمة التجوال المحلي للبيانات (Data National Roaming).
تمكّن هذه الخدمة المشتركين/ات من الاتصال بشبكة الشركة الأخرى تلقائياً، في حال غياب التغطية عن شبكته. كما تُفعّل تلقائياً في حال انقطاع خدمات الإنترنت الجوّال عند إحدى الشركتين، من دون أيّ تكلفة إضافية، وليس على المشتركين إلا تفعيل الميزة على أجهزتهم للاستفادة منها.
فعاليّة محدودة
يشكّل اتخاذ هذا القرار خطوة ضروريّة، خاصّة في أوقات الاضطرابات والحروب.
إجابةً على مجموعة أسئلة وجّهتها “سمكس” للشركة، تقول “تاتش” إنّ الهدف الأساسي من تفعيل التجوال المحلي للبيانات هو تعزيز جودة الخدمة وتوسيع تغطية شبكة الخليوي، بهدف إبقاء المشتركين القاطنين في المناطق الريفية والنائية على اتصال. وتشمل هذه الخدمة حالياً 110 محطات، موزّعة بين 34 محطة لشركة “ألفا”، و76 أخرى لـ”تاتش”.
قد تساهم هذه الخدمة في التخفيف من حدّة أزمة الانقطاعات المتكرّرة في الشبكة، غير أنّ الحاجة إلى توعية المواطنين بها ما زالت كبيرة. ويمكن أن يتمّ ذلك من خلال نشر الفيديوهات التوضيحيّة، وإصدار تقارير دورية تبيّن نسب استخدامها، وإجراء استطلاعات رأي لمعرفة حجم الاستجابة ومدى فعاليتها، بالإضافة إلى رصد أيّ عوائق تواجه المستخدمين.
وكانت “سمكس” تطالب دائماً، إلى جانب عددٍ من المنظمات المحليّة، بتفعيل هذه الخدمة منذ بداية الأزمة اللبنانية والإقتصادية والمالية عام 2020، وخلال الحرب الإسرائيلية التي عصفت بلبنان عام 2024.
حلّ إسعافي لا بديل عن الاستثمار
تؤكّد “تاتش” لـ”سمكس” أنّ خدمة التجوال المحلي للبيانات هي خدمة دائمة ولا ترتبط بظروفٍ استثنائية. وفي ما يتعلق بتأثيرها على جودة الاتصالات أو سرعة الإنترنت، فتشير الشركة إلى أنّ “اعتماد هذه الخدمة يجري بأسلوب ذكي، بحيث تقتصر أساساً على المناطق الريفية أو تلك ذات السعة المنخفضة”. أمّا في المدن التي تشهد حركة استخدام كثيفة، فإنّ التجوال الوطني قد يؤثر حتماً على جودة الخدمة (QoS) وجودة تجربة المستخدم (QoE)، نتيجةً لتجاوز حجم الطلب للسعة المتاحة على الشبكة، ولذلك يتقلّص تفعيلها في المدن.
ومع الضغط المتزايد في المدن نتيجة أزمة النزوح، يُطرح تساؤلٌ بديهيّ حول قدرة الشبكتين الاستيعابية لتفادي الازدحام أو الأعطال. وفي هذا السياق، تؤكد “تاتش” أنّها نفّذت بالفعل ترقيات على السعة الاستيعابية للشبكة، واتخذت تدابير للحد من آثار النزوح الواسع، شملت تفعيل تردّدات إضافية (carriers) وترقية وصلات الميكروويف.
تجدر الإشارة إلى أنّها المرة الأولى التي تُفعّل فيها خدمة مشتركة بين الشركتين. وفي هذا الإطار، طرحت “سمكس” سؤالاً حول إمكانية اعتبار هذه الخدمة بديلاً عن الاستثمار في الشبكة والبنية التحتية، لتؤكّد “تاتش”، أنّ “هذه الخدمة لا يمكن أن تحلّ محلّ الحاجة إلى تطوير الشبكة والاستثمار في بنيتها التحتية وتوسيع سعتها. تُعتمد الخدمة بشكل انتقائي في المناطق ذات السعة المنخفضة لسدّ فجوات التغطية، فيما يتعيّن على كلّ مشغّل، في المدن والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، الاستثمار في شبكته عبر إضافة مواقع جديدة وإجراء ترقيات على مستوى الراديو والنقل (Transmission)”.
“ألفا” تنشر أرقاماً و”تاتش” تلتزم الصمت
للمفارقة، امتنعت شركة “ألفا”عن الإجابة على الأسئلة المتعلّقة بخدمة التجوال المحلي للبيانات، واكتفت بالإعلان عن تفعيل الخدمة عبر موقعها الإلكتروني وتحديد المناطق التي تم تفعيلها فيها، وهي محافظات الشمال (عكار، البترون، الكورة، المنية، الضنية، زغرتا)، وجبل لبنان، (عاليه، بعبدا، الشوف، جبيل، كسروان، المتن)، والبقاع، (بعلبك، الهرمل، راشيا، البقاع الغربي، زحلة)، والجنوب، (صيدا، صور، جزين)، والنبطية (النبطية، بنت جبيل، حاصبيا، مرجعيون).
ولكن، هل تكفي خدمة التجوال المحلي للبيانات للحد من انقطاع الاتصالات في المناطق المستهدفة، أم أنّ الأمر يتطلب خطة طوارئ بديلة تضمن استمرارية عمل الشبكات؟
في سياق متابعة العدوان وتداعياته على قطاع الاتصالات، نشرت “ألفا” تقريراً (ضمن بيانٍ عُمّم عبر واتساب ولم يُنشر)، عرضت فيه كيفية تعاملها مع المتغيرات على الشبكة في ظل الظروف الاستثنائية، مستندة إلى خطة استجابة على مدار الساعة (24/7)، مع التزام تأمين استمرارية الخدمة بالتنسيق مع وزارة الاتصالات.
وبحسب الشركة، تُظهر المؤشرات بعد شهرٍ من الحرب “مستوى عالياً من الجاهزية التشغيليّة والبشرية، وقدرة على التكيّف مع التحديات المتزايدة، لمواكبة حاجات المواطنين، لا سيما في ظل النزوح وارتفاع استخدام الخدمات، خصوصاً استهلاك الإنترنت”.
وأشارت “ألفا” إلى أنها تعاملت مع نحو 3000 مكالمة يومياً عبر الخط الساخن 111، وتم خلال شهر آذار معالجة أكثر من 72 ألف مكالمة، إضافة إلى إنجاز أكثر من 80 ألف معاملة في متاجرها، وتسجيل أكثر من 13 ألف تفاعل مع المشتركين عبر القنوات الرقمية، بما فيها وسائل التواصل وخدمة المحادثة الفورية و”واتساب”.
تقنياً، أفادت “ألفا” في بيانها بأنّ الشبكة شهدت ارتفاعاً سنوياً إجمالياً بنسبة 29% في استخدام البيانات مع نهاية آذار 2026، وارتفاعاً شهرياً بنسبة 12% مقارنة بشباط 2026. وسُجّلت زيادات لافتة في عددٍ من المناطق نتيجة النزوح، أبرزها قضاء الشوف بنسبة 101%، يليه عاليه 78%، وجزين 72%، فراشيا 37%، وصيدا 32%، وبيروت 21%، ثم جبيل والبترون 17% لكل منهما.
وتواكب الشركة، بسب البيان، هذه المتغيرات عبر إجراءات تقنية تهدف إلى استيعاب هذا النمو مع الحفاظ على جودة الخدمة واستقرارها، إذ تم رفع سعات الإنترنت وإمكانات شبكتي الجيلين الثالث والرابع في أكثر من 114 قطاعاً، ويجري العمل على توسيعها في 110 قطاعات إضافية. كما تم توسيع خدمة التجوال المحلي للصوت والبيانات لتشمل مناطق أوسع.
وفي المناطق المصنّفة خطرة، تعرّضت محطّات شبكة “ألفا” لأضرارٍ مباشرة، فضلاً عن الأعطال الكبيرة التي لحقت بشبكات الإتصالات لشركتي الخلوي وهيئة أوجيرو خلال الحرب الماضية، والتي لم تتمّ صيانتها بشكلٍ كامل بعد.
أمّا في ما يتعلّق بالباقة التعليميّة، فأشارت “ألفا” إلى أن باقة الـ “20 جيغا” المجانية للتعلّم عن بُعد شهدت إقبالاً لافتاً من الطلاب والأساتذة.
في المقابل، لم تصدر “تاتش” حتى الآن تقريراً مماثلاً، واكتفت مصادرها بالقول إنّها “تركّز على العمل لا على النشر في هذا الوقت”.
خطة استجابة أم مادة دعائيّة؟
يرى الخبير في قطاع الاتصالات، والمدير السابق لشركة “تاتش”، وسيم منصور، أنّ ما نشرته “ألفا” أقرب إلى الدعاية منه إلى تقريرٍ فعليّ عن وضع الشبكة والمشتركين. “لولا الضغط الإعلامي لما صدر هذا التقرير”، يضيف منصور، الذي اعتبر التقرير غير كافٍ، مطالباً بإصدار تقارير مماثلة عن الهيئة المنظّمة لقطاع الاتصالات في لبنان، مجرّدة من أيّ طابعٍ إعلانيّ.
يصف منصور التقرير بأنّه “سطحي”، ولا يعكس خطة طوارئ أو تدابير استباقيّة بل يكتفي بعرض الواقع، لافتاً إلى أنّه لا يستند إلى مؤشرات قياسٍ واضحة ومعترف بها دولياً، تُستخدم عادة لتقييم جودة الخدمة والأداء والاستثمار، وعدم التقيّد بالمعايير التي تضعها “الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول” (GSMA) كمرجعيّة دوليّة في قطاع الاتصالات.
لا تزال وزارة الاتصالات غائبة عن وضع أو نشر خطة طوارئ واضحة للقطاع، رغم المطالبات والمناشدات المستمرّة منذ الحرب السابقة بضرورة اعتماد خطة شاملة، تشمل تمديد صلاحية الخطوط المسبقة الدفع، وتخصيص باقات إنترنت للصحافيين، وتأمين خدمة إنترنت مجانية في مراكز الإيواء، في وقتٍ تُعد فيه استمراريّة الاتصال أولوية أساسية لضمان بقاء المقيمين في لبنان على اتّصال.
الصورة لأديب فرحات