كل بضعة أشهر، ينتشر اتجاه (Trend) جديد في مجال الصور التي تُنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي. في أوائل عام 2025، قام الملايين بتحميل صورهم على روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي للحصول على صورة شخصية مستوحاة من أسلوب استوديو غيبلي (Studio Ghibli). وبحلول رمضان عام 2026، اتخذ هذا الاتجاه (Trend) طابعاً دينياً، حيث بدأ الناس في تزيين صورهم بالفوانيس والخط العربي وغير ذلك.
دفع اتجاه آخر المستخدمين إلى إعطاء تعليمات لـ شات جي بي تي” بعبارة “أنشئ كاريكاتيراً لي ولوظيفتي بناءً على كل ما تعرفه عني”. وتستمر الاتجاهات (Trends) في الظهور، حيث يُطلب من روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي استخدام المعلومات الشخصية وتقديم شيء يمكن مشاركته.
إن السبب الأكثر إلحاحاً للحد من مشاركة الصور الشخصية والمعلومات الحساسة مع روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي هو حماية الخصوصية، أما بالنسبة للسكان في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، فإن السياق الإقليمي يضيف طبقة أخرى من المخاطر المتعلقة باستخدام البيانات لأسباب عسكرية. فسبق أن “اختلقت” روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي معلومات كاذبة وقدمتها على أنها حقائق، كما تم توظيفها في أنظمة الاستهداف العسكري، واستمرت في استخراج معلومات المستخدمين حتى بعد أن قاموا بإلغاء الاشتراك أو تعديل إعداداتهم.
وتُشارك شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك “أوبن أيه آي” وأنثروبيك وغوغل، بطريقة أو بأخرى في عسكرة تقنياتها، مثل تقديم الخدمات للجهات العسكرية أو الحكومات، مما يُعرّض سكان منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا لخطر متزايد بشكل خاص جراء استخدام روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي.
يتبع كل من هذه الاتجاهات (Trends) النمط نفسه: فكرة ممتعة وقابلة للمشاركة، تدفع ملايين الأشخاص طواعية لتسليم صورهم وأسمائهم ومعلومات حول وظائفهم وتفاصيلهم الشخصية إلى منصات الذكاء الاصطناعي، وغالباً دون التفكير في كيفية استخدام هذه المعلومات أو تخزينها أو مع من يتم مشاركتها.
إذاً، هل يجب عليك تحميل صورة لنفسك على منصة تعمل بالذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي” أو “كلود” أو “جيميناي” ؟ الإجابة المختصرة هي “لا”، وإليك السبب.
يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تكوين ملف تعريفي عنك
على عكس المرشحات (الفلاتر) أو الصور الرمزية المدمجة (الشخصيات الرقمية) في منصات التواصل الاجتماعي، غالباً ما تطلب أدوات الذكاء الاصطناعي من المستخدمين تقديم بيانات تفصيلية، وصور عالية الجودة، ومطالبات وصفية، ومعلومات سياقية تُشكل مجتمعةً ملفاً تعريفيّاً كاملاً عنك.
لا تكمن المخاطرة في أي سؤال أو أمر منفرد (Prompt) تدخله، بل في تراكم جميع المعلومات التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي عنك. يمكن تجميع هواياتك، ووظيفتك، وعلاقاتك العائلية وروتينك اليومي كقطع أحجية، ليُشكل خريطة لحياتك.
يمكن للنصوص وحدها أن تؤدي إلى جمع معلومات حساسة. ولكن عند تحميل صورة، تزداد المخاطر بشكل أكبر، إذ قد تحتوي الصورة على تفاصيل شخصية أو محددة للهوية إضافية.
تشرح المحلّلة الرئيسيّة في مجال الأمن السيبراني لدى “سمكس”، مادلين بيليسي، أن “روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تعالج صورك ككاميرا مراقبة قوية. يقوم روبوت الدردشة بتحليل التفاصيل الدقيقة لوجهك، مما قد يمهد الطريق لأنظمة ذكاء اصطناعي أكبر وأكثر قوة للتعرف عليك باستخدام ملامحك الفريدة”.
يستخدم الذكاء الاصطناعي هذه البيانات، فكل ما يقوم المستخدمون بتحميله يُستغل لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لجعلها أكثر دقة وقوة. وبهذا المعنى، عندما تقوم بتحميل صورة في روبوت الدردشة، فإنك تعلمه كيف يتعرف على ملامح وجهك وتفاصيل حياتك. ويمكن للذكاء الاصطناعي استخدام هذه المعلومات لتوليد مخرجات مستقبليّة محتملة بناءً عليها. لذا، إذا طلب شخص ما لاحقاً من روبوت الدردشة توليد صورة لشخص في بيئة مُعينة، فقد يستخدم الروبوت البيانات التي قدمتها أنت – بما في ذلك وجهك – لإنتاج تلك الصورة الجديدة.
وقد تم بالفعل توثيق استخدام أنظمة التعرف على الوجه وأنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مناطق النزاع. وقد أثارت أدوات مثل “لافندر” الإسرائيلية، ومشاركة شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى في العقود العسكرية، قلقاً بالغاً بين منظمات حقوق الإنسان، سواء بشأن الأداة نفسها أو شركات الذكاء الاصطناعي التي تتيح ذلك من خلال عقودها. فقد أصبحت تقنية التعرف على الوجه أداة للمراقبة الجماعية والسيطرة الاجتماعية تُستخدم لرصد الاحتجاجات، وتعقب الأفراد، وقمع المعارضة.
إن تقديم صورة وجهك طواعية إلى منصة ذكاء اصطناعي – لا سيما إذا كانت يقع مقرها في نطاق قضائي أجنبي ذي اتفاقيات غامضة لمشاركة البيانات – يحمل مخاطر لأي شخص يعيش في وضع حساس سياسياً.
تنص سياسة الخصوصية الخاصة بـ “أوبن أيه آي” على أنها “تجمع البيانات الشخصية التي تقدمها في المدخلات إلى خدماتنا (أي المحتوى)، بما في ذلك أوامرك والمحتويات الأخرى التي تحمّلها، مثل الملفات والصور والمواد الصوتية والمرئية”.
كما أن روبوتات الدردشة الأخرى الشائعة الاستخدام، مثل جيميناي من غوغل وكلود من أنثروبيك وديب سيك، لديها أيضاً قواعد بشأن كيفية جمعها لبياناتك واستخدامها، ويجب عليك دائماً مراجعة هذه القواعد للتحقق من كيفية استخدام هذه المعلومات.
غالبًا ما تحتوي الصور التي تحمّلها من أجهزتك على بيانات وصفية، وهي في الأساس “معلومات عن بياناتك” مستخرجة من الصورة التي قمت بتحميلها، مثل موقعك، ووقت التقاط الصورة، والجهاز الذي تم التقاطها منه، وتفاصيل أخرى قد تكون حساسة.
يمكن أن تكون البيانات الوصفية ذات قيمة لا تُقدَّر بثمن بالنسبة للجهات الخبيثة، إذ قد تمكّنهم من إنشاء ملفات تعريفية مفصلة للأفراد أو المنظمات، وكذلك القيام بأنشطة مراقبة أو استطلاع.
كما ذكرت سياسة الخصوصية الخاصة بروبوتات الدردشة أنه حتى بعد إيقاف التدريب باستخدام ميزة “إلغاء الاشتراك”، يمكن أن تظل محادثاتك موجودة في سجل حسابك ويتم تخزينها لمدة 30 يوماً إذا استخدمت الميزة “المؤقتة”.
ما هي المخاطر التي يتعرض لها الأطفال؟
يقوم الوالدان بانتظام بتحميل صور أطفالهم للمشاركة في هذه الاتجاهات (Trends). وعلى الرغم من أن نيتهم ليست خبيثة، إلا أن الطفل ليس فرداً قادراً على منح موافقة مستنيرة.
فعندما يقوم أحد الوالدين بتحميل صورة طفل إلى وكيل ذكاء اصطناعي، فإن هذا الطفل لم يوافق على أي شيء. فهو لا يعلم أن صورته يتم تخزينها على خوادم الشركة أو قد يتم مراجعتها من قبل مشرفين بشريين.
الغموض هو جوهر المشكلة. لا يمكننا أن نعرف اليوم كيف ستُستخدم هذه البيانات بعد 10 أو 15 عاماً، أو ما هي الأنظمة التي قد تُغذى بها، أو من هي الحكومات أو الشركات التي قد تتمكن يوماً ما من الوصول إليها، أو أي نوع من الأشخاص سيصبح الطفل عندما يكبر وما هي المخاطر التي قد يواجهها.
وقد حذرت الأمم المتحدة في مطلع هذا العام من المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي، مشددة على أنهم قد يواجهون بشكل خاص التنمر الإلكتروني، والتحرش، والاستدراج، والتزييف العميق، وكلها أمور قد تتحول إلى أذى جسدي.
بماذا توصي “سمكس”؟
بصفتنا منظمة معنية بالحقوق الرقمية نركز على الخصوصية، نوصي دائماً بالحد من كمية المعلومات التي تشاركها على أي خدمة عبر الإنترنت، بما في ذلك روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. كما نوصي بضرورة توخي الحذر الدائم من مشاركة المعلومات. وينبغي الإشارة إلى أن روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي” تتمتع بميزات يمكنك تفعيلها للحفاظ جزئياً على خصوصيتك.
على سبيل المثال، يمكنك إلغاء الاشتراك في خيار “استخدام بياناتك لتحسين نماذجهم لتدريب روبوتات الدردشة الخاصة بهم”.

يجب عليك أيضاً إيقاف تشغيل الخيارات المتعلقة بالتسويق، حيث يمكن أن تستخدم هذه الخيارات البيانات الوصفية المستمدة من الصور التي تحمّلها أو المعلومات التي تزود بها روبوت الدردشة.
وحيثما أمكن، راجع أذونات التطبيق في إعدادات جهازك أو منصتك، وقم بتقييدها لتقتصر على الضروريات فقط. لا تمنح الأذونات إلا أثناء استخدام التطبيق، كلما كان هذا الخيار متاحاً.
نوصي أيضاً، حيثما أمكن، باستخدام روبوت الدردشة أثناء تسجيل الخروج، أي تجنب تسجيل الدخول باستخدام بياناتك.
يؤدي إلغاء الاشتراك عادةً إلى منع إضافة نصوص أوامر التشغيل (Prompts) الخاصة بك إلى تدريب النماذج المستقبلية، ولكنه لا يؤدي إلى مسح بياناتك فوراً من المعالجة الخلفية، أو النسخ الاحتياطية، أو سجلات المراجعين البشريين، أو ذاكراة التخزين المؤقت لشبكات توصيل المحتوى (CDN). يمكن أن تبقى بياناتك مخزنة هناك لأسباب أخرى، حتى بعد إلغاء الاشتراك ورغم أنها لم تعد تُستخدم في التدريب.
والأهم من ذلك، توصي “سمكس” بالحد من كمية المعلومات الشخصية التي تقدمها لروبوت الدردشة، ويشمل ذلك اسمك ومعلومات عن عائلتك وعملك وموقعك.
إذا كنت بحاجة ماسة إلى استخدام روبوت الدردشة، فاستخدم المعلومات المجهولة المصدر فقط، من أجل أمنك وأمن من حولك.
الصورة المعروضة هي رسم توضيحي أصلي من إعداد فريق “سمكس”.
