نوفمبر 7, 2026 | أخبار

عن احتكار “ألفا” لخدمات “ستارلينك” في لبنان وغموض العقود

مهدي كريّم
07 نوفمبر 2026

في وقت يعاني فيه قطاع الاتصالات في لبنان من التداعي المستمر نتيجة الأزمات الاقتصادية وسوء الإدارة، تنشر وزارة الاتصالات وشركة “ألفا” خدمات الإنترنت الفضائي عبر شركة “ستارلينك”.

وبدأت “ألفا”، المشغل الثاني للاتصالات الجوالة في لبنان، المرحلة الثانية لتقديم خدمة “ستارلينك” للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، مستهدفة الشركات والمؤسسات المؤهلة من القطاع الخاص. وأعلنت أنّ المرحلة الأولى شملت تفعيل الخدمة لـ37 جهة، ضمّت 20 وزارة ومؤسسة عامة وجهازاً أمنياً (من بينها “أوجيرو”، وهي مزود الإنترنت الثابت والهاتف الأرضي الرئيسي، ومصرف لبنان)، إضافة إلى 11 مستشفى، و3 سفارات، وجمعيتين غير حكوميتين، وبلدية رميش الجنوبية.

كيف يؤثر إطلاق خدمة “ستارلينك” حصرياً عبر شركة “ألفا” على مستقبل قطاع الاتصالات في لبنان؟ وهل تضمن الأطر الحالية حماية السيادة الرقمية وخصوصية بيانات المستخدمين، أم تكرس غياب الشفافية ومخاطر الاحتكار على حساب التنافسية والمال العام؟

زيادة 75 دولاراً على الاشتراك: عبء إضافي وشبهات مخالفة

يأتي توسّع “ستارلينك” في ظل استمرار حالة الغموض وانعدام الشفافية المحيطة بالملف. فوفقاً لشركة “ألفا”، يبلغ سعر الإشتراك السنوي 2100 دولار لباقة 500 جيغابايت شهرياً، و3588 دولاراً سنوياً لباقة 1 تيرابايت شهرياً، فضلاً عن كلفة الجهاز البالغة 550 دولاراً تُدفع لمرة واحدة، مضافاً إليها الضريبة على القيمة المضافة. وتُخالف هذه الأسعار موجبات شروط الترخيص لـ”ستارلينك”، والتي حددت الحد الأدنى للاشتراك الشهري بمبلغ 100 دولار أمريكي.

بمعنى آخر، هناك فارق بقيمة 75 دولاراً إضافياً يتحمله المستخدمون شهرياً، ممّا يثير تساؤلات مشروعة حول قانونية العقد المبرم بين “ألفا” و”ستارلينك” ومدى مطابقته للاتفاقية المبرمة بين الشركة والحكومة اللبنانية. كما يكرّس هذا الواقع غياب أي آلية شفافة لتسعير الباقات، بالإضافة إلى تساؤلات عن جدوى إلزام المؤسسات بدفع الاشتراكات سنوياً ومسبقاً بمعزل عن مرونة الخيارات المالية. وقد يؤشّر ذلك إلى تمييز طبقي في الوصول إلى الإنترنت، مما يحول الاتصال بخدمات الإنترنت الفضائي إلى امتياز للطبقات الميسورة أو الهيئات الدولية، ويتناقض تماماً مع مبدأ الإنترنت كحق أساسي من حقوق الإنسان.

غياب الجدوى الاقتصادية ومخاطر الاحتكار

تتجلى أزمة الشفافية في غياب المعايير الواضحة لاختيار شركة “ألفا” حصرياً دون سواها لتوفير الخدمة. يطرح هذا الخيار إشكاليات حقيقية حول الجدوى الاقتصادية لتبني “ألفا” خدمات شبكة أجنبية تشكل منافساً مباشراً لها، مما ينذر بتقويض إيراداتها وربحيتها، بالتزامن مع إهمال الاستثمار في شبكات الإنترنت المنزلية والجوالة لصالح تقنيات فضائية مكلفة وخارجية.

ولا يقتصر الضرر على ذلك، بل يمتد ليطال قطاع مزودي خدمات الإنترنت المحليين (ISPs)، الذين سبق أن وجهوا رسالة تحذيرية إلى رئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء، ولجنة الاتصالات النيابية، مطالبين بتنظيم دخول “ستارلينك” بصورة مدروسة وتدريجية.

إلى جانب ذلك، تبرز شكوك جادة حول انتهاك أحكام قانون الاتصالات رقم 431/2002، الناظم لترخيص شبكات وخدمات الاتصالات العامة، والذي ينيط بالهيئة المنظمة للاتصالات مهمة حماية البنية التحتية والمالية للمشغلين الوطنيين، ومنع الاحتكار والتواطؤ التجاري.

ومع تجاوز عدد الشركات المشتركة في خدمات “ستارلينك” عبر “ألفا” حاجز الـ100 شركة، وطلب الشركة 500 جهاز إضافي لقائمة الانتظار، تظل التساؤلات قائمة حول الجهة المخولة باحتكار صلاحية منح أو حرمان الحق في الوصول إلى الخدمة، والمعايير الحاكمة لذلك.

مخاطر على الخصوصية والسيادة الرقمية

يثير هذا المسار هواجس مرتبطة بمصير بيانات المستخدمين، ومواقعهم الجغرافية، وسجلات اتصالهم، وهي مخاوف سبق لـ”سمكس” أن حذرت منها عقب لجوء الحكومة اللبنانية لتوسيع نطاق مستخدمي “ستارلينك” تحت ذرائع الظروف الاستثنائية. يشكّل هذا الوضع تهديداً مباشراً للسيادة الرقمية، وللحقّ في الخصوصية، وحقوق الفئات المهمشة التي تخدمها منظمات المجتمع المدني والمؤسسات العامة والخاصة. ولا يتوقف الغموض عند حدود ملكية البيانات، بل يمتد لغياب الضمانات القانونية والتقنية لحمايتها وآليات الوصول إليها.

ورغم تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أن “ستارلينك” لا تتمتع بأي حصرية في لبنان، وإشارته إلى بحث بدائل مثل “ون ويب” (OneWeb) للإنترنت الفضائي، إلا أنّ الممارسات الفعلية للحكومة تناقض هذه التصريحات، حيث حصرت الحكومة اللبنانية اهتمامها منذ البداية بشركة واحدة دون سواها هي “ستارلينك”. وبدلاً من تحرير السوق وفق شروط تنافسية وشفافة، فضّلت الحكومة إبرام اتفاقية ثنائية مغلقة.

عوائق قانونية ومالية 

تواجه الإدارات والمؤسسات العامة عقبة قانونية ومالية تحول دون استفادتها الفعلية من الخدمة، وذلك بعد ثبوت افتقار “ألفا” لبراءة ذمة مالية بسبب متراكمات ضريبية تُقدر بنحو مليون دولار. وتضع هذه الوضعية أي تعامل مالي مع الشركة في دائرة المخالفة الصريحة لتعاميم وزارة المالية، التي تفرض على المؤسسات العامة التحقق من براءة الذمة قبل سداد أي مبالغ تتجاوز سقف الـ200 مليون ليرة لبنانية (ما يعادل 2247 دولاراً).

إضافة إلى ذلك، تعاني العلاقة بين الحكومة و”ستارلينك” من ضبابية هيكلية في أطر المساءلة وغياب آليات واضحة للاعتراض أو معالجة تعليق الخدمة.

يؤكد الاستعجال الحكومي في فرض خدمات “ستارلينك” بمنأى عن الأطر التنظيمية والقانونية السليمة تجاوزاً للأمور التقنية ليطال جوهر الشفافية، وحماية البيانات، وقواعد المنافسة العادلة. وهذا يستدعي من الحكومة اللبنانية إعادة النظر فوراً بوجوب فتح السوق أمام مزوّدي الإنترنت الفضائي، وإخضاع الاتفاقيات لمعايير السيادة الرقمية وتكافؤ الفرص وصون المال العام وحقوق المستخدمين.

أحدث المستجدات

أحدث المستجدات حول الحقوق الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا

30 أكتوبر 2026

منتدى حوكمة الإنترنت 2026: لبنان يناقش التعافي الرقمي فيما الإصلاحات تراوح مكانها

30 أكتوبر 2026

ملاحظات حول الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في لبنان 2032

21 سبتمبر 2026

العدّ العكسي بدأ: أقل من شهر يفصلُنا عن ملتقى “خبز ونت”!

ابقوا/ين على اطلاع

واشتركوا/ن في نشرتنا البريديّة.