
أصبح المشهد الرقمي في لبنان أكثر تقلباً مع مرور كل عام من الأزمة. فقد ترك كل من الانهيار المالي، وتزايد المعلومات المضللة، وانتشار خطاب الكراهية، والضغوط المستمرة الناجمة عن عدم الاستقرار، بصماته على الطريقة التي يستخدم بها ا الإنترنت في لبنان. وقد وثّق مكتب المساعدة الخاص بالسلامة الرقمية التابع لمنظمة “سمكس” عدة حالات تتعلق بالمعلومات المضللة، مما يسلط الضوء على تصاعد التهديدات عبر الإنترنت وزيادة خطاب الكراهية.
أمضت “سمكس” سنوات في رصد هذه التهديدات وما زالت تواصل القيام بذلك، لا سيما خلال الحرب الأخيرة. وإلى جانب هذا العمل، أطلقنا مبادرة جديدة تتمثل بالتواصل والتعاون مع القطاع العام في لبنان، من خلال نهج يشمل جميع الأطراف المعنية. وتهدف هذه المبادرة للمساعدة في بناء مستقبل رقمي أكثر استدامة وعدالة معاً. وبناءً عليه، واصلنا العمل الذي نؤمن بأنه قادر على إحداث تغيير حقيقي: الجلوس في حوار مفتوح ومباشر مع الأشخاص الذين يصيغون السياسات الرقمية في لبنان.
سبب وجودنا هنا وما قدمناه حتى الآن
تميل السياسات الرقمية في لبنان إلى التأخر عن مواكبة الواقع التقني. وقد تؤدي هذه الفجوة إلى عدم معالجة المخاطر الحقيقية بشكل كافٍ، بدءاً من انتهاكات خصوصية البيانات وصولاً إلى حالة البنية التحتية الرقمية العامة. وبصفتنا خبراء في الحقوق الرقمية، أردنا في “سمكس” تقديم خبرتنا لضمان حماية هذه الحقوق بشكل جيد.
مشاركتنا لا تتعلق بالسياسة، بل بالسياسات العامة وتطويرها. ومن خلال مشاركة معرفتنا مباشرةً مع الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة، فإننا نضع أنفسنا كمرجع للمساعدة في تجاوز التحديات المعقدة للحوكمة الرقمية، مع ضمان بقاء حقوق الإنسان والخصوصية وسلامة المستخدمين في جوهر هذا النقاش.
خلال الأشهر القليلة الماضية، التقينا مراراً وتكراراً مع عدة وزارات رئيسية في لبنان:

اتبع كل اجتماع النهج نفسه. نستمع ونحدد التحديات التي تواجهها كل وزارة، ونقارنها بالمجالات التي يمكن أن نساعد فيها بالاستناد إلى خبرتنا في مجال الحقوق الرقمية، وتحليل السياسات، والأمن التقني.
ومن هذا المنطلق، حددنا عدّة مشكلات تكررت باستمرار: الافتقار إلى التنسيق، وتضارب المصالح، والأجندات السياسية، والأولويات التي تؤدي إلى تجزئة التحول الرقمي في لبنان. لقد تدخلنا بشكل مباشر في مشاريع القوانين، حيث قدمنا تحليلاً قانونياً بشأن حماية البيانات والأمن السيبراني وتنظيم الإعلام، إلى جانب التحليل التقني لمساعدة المنصات الحكومية على ضمان أمنها وامتثالها لخصوصية المستخدمين.
ونظراً لأن جميع الوزارات أشارت إلى الحاجة نفسها في مجال بناء القدرات، فإننا نعمل حالياً على إعداد دورات تدريبية حول السلامة الرقمية وحماية البيانات ومحو الأمية الرقمية، على أمل تحويل هذه المبادرة إلى تعاون طويل الأمد.

نحن لا نسعى إلى تحقيق مكاسب سريعة وشكلية، بل نهدف إلى إحداث تغيير هيكلي مستدام يتجاوز مدة أي اجتماع أو دورة وزارية.
وهذا يعني الاستمرار في رصد ومراجعة مشاريع القوانين وإبداء الرأي فيها، بما في ذلك مشاريع قوانين حماية البيانات والأمن السيبراني، لتتوافق مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان. كما يعني أيضاً العمل مع الشركاء لنقل لبنان بعيداً عن سياسات الحظر غير الفعّالة، والدفع نحو تثقيف شامل في مجال السلامة الرقمية قائم على الحقوق، خاصةً للشباب. إضافة إلى ذلك، نتجه لمساعدة الوزارات في سد الثغرات الأمنية في مواقعها ومنصاتها الخاصة التي قد تعرض بيانات المواطنين للخطر.
وهذا يتطلب إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حيث تُشارك عدة وزارات في حوار مستمر مع “سمكس”. كما أننا سندعو مختلف دوائر الوزارات لحضور ملتقانا السنوي “خبز ونت” (Bread & Net) لتعزيز مجتمع أوسع يضم خبراء التكنولوجيا وصانعي السياسات والناشطين.
تؤمن “سمكس”، كما دأبت دائماً، بأن مستقبل التكنولوجيا هو ملك لنا لنقرره، وأن المستقبل الرقمي يعود للمجتمعات والأفراد. ومن خلال الانتقال من دور المراقبة إلى المشاركة المباشرة، نعمل على ضمان أن يتشكل مستقبل لبنان الرقمي على أساس الحماية والشفافية والحقوق الأساسية لجميع أبنائه.
نتطلع إلى مشاركة المزيد من المستجدات مع تطور هذه الشراكات.
