أغسطس 5, 2026 | أخبار

خارطة طريق للتحول الرقمي في لبنان

محمد نجم
05 أغسطس 2026

مؤخراً، أُعيد مشروع قانون إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات إلى اللجان بعد الإخفاق في إقراره في مجلس النواب. وفي الوقت نفسه، يقود مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) جزءاً من جهود التحول الرقمي في لبنان، وسط تضارب بنيوي في المصالح، وفقاً لما تداولته مصادر مختلفة من داخل الحكومة.

وبدلاً من قراءة هذا الواقع بوصفه نزاعاً على الصلاحيات بين المؤسسات، أو الخوض في الأجندات السياسية المحركة لكل خيار، أودّ التراجع خطوة إلى الوراء لطرح سؤال مختلف: ما الذي يتطلبه بناء استراتيجية للتحول الرقمي في لبنان متماسكة ومحكومة بقواعد حوكمة رشيدة ؟

تبدأ الإجابة من إيجاد أرضية مشتركة للحوار بين مؤسسات الدولة، القطاع الخاص، المجتمع المدني، الجامعات، النقابات المهنية، والخبراء، وذلك لصياغة استراتيجية وطنية شاملة للتحول الرقمي. وفيما يلي ثمانية مبادئ للتأسيس والإنطلاق بهذا المسار، وهي ليست خطة نهائية، بل دعوة مفتوحة لكل من يؤمن بضرورة أن يكون جزءاً من هذا الحوار.

أولاً: إعادة تعريف “مهمتنا”، ينبغي ألا يقتصر التحول الرقمي على كونه أداة لتعزيز كفاءة الدولة فحسب، بل أن يكون حجراً أساساً لبناء دولة حديثة وشفافة، قادرة على تقديم خدمات عامة عالية الجودة للجميع، مع حماية بيانات المواطنين وأمنهم السيبراني.

ثانياً: إدراك واقعنا كدولة ومجتمع ومواطنين. إن اقتصادنا، بنيتنا التحتية الرقمية، التوزيع الديمغرافي للسكان، والأزمات والصدمات المتكررة الناجمة عن الحروب والتحديات: كل ذلك يُحدد ما هو ممكن. ووفقاً لذلك، لا يمكننا استنساخ أهداف من تجارب خارجية، أو إطلاق شعارات غير واقعية مثل “التحول إلى مركز رقمي في المنطقة”، ثم توقع تحقيقها.

يمتلك لبنان نقاط قوة حقيقية، أبرزها رأس المال البشري المؤهل والإمكانات العالية لمواطنيه، وهو ما يجب الاستثمار فيه وتوظيفه. كما أننا، بخلاف العديد من دول الجوار، نتمتع بنظام ديمقراطي.

ثالثاً: الإنسان أولاً. يجب أن تُصمَّم كل سياسة وخدمة رقمية بما يخدم احتياجات الأشخاص الذين سيستخدمونها. لذلك، ينبغي أن تكون سهلة الوصول، وشاملة، ومصممة لتلبية احتياجات جميع المقيمين في لبنان.

رابعاً: الحقوق ليست خياراً ثانوياً. يجب دمج الحقوق منذ البداية: بدءاً من حماية البيانات والخصوصية، وصولاً إلى الأمن السيبراني والشفافية والمساءلة. إذا أردنا كسب ثقة المواطنين، فهذه ينبغي أن تكون أولويتنا القصوى. الحوكمة الرشيدة هي العمود الفقري لنجاح هذه الاستراتيجية، ولعل السبب الرئيس لعدم إقرار قانون وزارة الذكاء الاصطناعي المقترح في مجلس النواب يكمن في غياب هذه الحوكمة ضمن أطر واضحة. إن أي استراتيجية مستدامة تتطلب تحديداً دقيقاً للواجبات، وفصلاً للمسؤوليات، وقنوات منظمة للتعاون، ورقابة وتقييماً مستقلين، إلى جانب آليات توازن ومراقبة جادة بين كافة الأجهزة.

خامساً: التعامل مع البيانات كملك عام. مع التمييز الدقيق بين “البيانات العامة” التي تسهم في تحسين الخدمات، و”البيانات الشخصية الخاصة” التي تتطلب حماية صريحة. وهذا يقتضي إرساء الشفافية إلى جانب الأمن والسلامة وحماية البيانات، ولتحقيق ذلك، لا بد من وضع مسارات واضحة لتبادل البيانات بين قطاعات الدولة، وإقرار قانون صريح لحماية البيانات.

سادساً: البنية التحتية هي الأساس. من الناحية الهيكلية، يجب أن يواكب التحول الرقمي في لبنان نظيره في البنية التحتية، إذ لا يمكن لأحدهما التغلب على الآخر. إن التغذية الكهربائية غير المستقرة، وضعف شبكة الإنترنت، ومحدودية خدمات السحابة الإلكترونية تشكل عوائق حقيقية. هذا هو واقعنا، وهو ما يجب أن يحدد تسلسل خطط الاستراتيجية وتوقيتها.

سابعاً: الاقتصاد الرقمي والابتكار عنصرين أساسيين للبنان. هذا المفهوم يُستخدم غالباً بقدر كبير من العمومية. والمقصود به عملياً هو دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير التعديلات التشريعية، والبرامج، والبنى التحتية التي تمكّنها من النمو خلال العقد المقبل، مما يسمح لها بدعم هذا الاقتصاد الرقمي وتطويره.

ثامناً: التكنولوجيا ليست غاية في حد ذاتها. يجب أن تأتي التكنولوجيا دائماً لتلبية احتياجات إنسانية تستحق الحل، وأن تخدم المصلحة العامة، وتعمل ضمن أطر قانونية وأخلاقية واضحة، مع الإبقاء على حماية الإنسان في جوهر أي مشروع تنموي.

ختاماً، تُشكل هذه المبادئ نقطة انطلاق لفتح حوار متعدد الأطراف يتناول الخطة الاستراتيجية للتحول الرقمي في لبنان، وهي ليست صياغة نهائية. فمعاً، يمكننا تحقيق أولوياتنا في بناء مؤسسات أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع رقمي يصون الحقوق ويعزز الثقة بين الدولة والمواطن.

ونحن في منظمة “سمكس”، قد بدأنا هذا العمل حيث نواصل عقد اللقاءات مع الجهات المعنية في الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، ونشارك التوصيات السياساتية، ونتبادل الآراء مباشرة مع الوزراء والوزارات المعنية بهذا الملف، وسنواصل الاستماع والمساهمة في هذا الاتجاه.

أحدث المستجدات

أحدث المستجدات حول الحقوق الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا

21 سبتمبر 2026

العدّ العكسي بدأ: أقل من شهر يفصلُنا عن ملتقى “خبز ونت”!

16 سبتمبر 2026

نظارات “ميتا”: انتهاك للخصوصية في منطقة غرب  آسيا وشمال أفريقيا

16 سبتمبر 2026

شاركوا في هاكاثون الاتصالات الآمنة!

ابقوا/ين على اطلاع

واشتركوا/ن في نشرتنا البريديّة.