بعدما رفعت أسعار الاتصالات في سوريا ألف ضعف تقريباً، ممّا أضاف أعباء كثيرة على ذوي الدخل المحدود، حاولت وزارة الاتصالات امتصاص الغضب الشعبي بالتنصل من القرار. كثُرت التساؤلات حول قانونية هذا القرار وانسجامه مع الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، وما إذا كان بالإمكان مقاضاة شركات الاتصالات لإجبارها على التراجع عنه.
ارتفع سعر الباقة اليومية، وفقاً للبيانات المتاحة، من 500 ليرة (0.04 دولار) إلى 6 آلاف ليرة سورية (0.54)، في حين ارتفع سعر الباقة الأسبوعية من ألفي ليرة (0.18 دولار) إلى 12 ألف ليرة (1.08 دولار) بنسبة 500%، أما الباقة الشهرية فزادت بنسبة 200%، كما وصل سعر باقة الثلاثة أشهر إلى 300 ألف ليرة (27 دولار).
وزارة الاتصالات السورية تنفض يدها
حجم الخطوة وردود الفعل السلبية عليها، لاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي، وضع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية في موقف مُحرج دفعها للتنصّل من هذه الزيادة، مؤكدة أنّ “الشركتين خاصتين ومستقلتين مالياً وإدارياً”. وطلبت منهما تقديم “توضيح رسمي ومفصل يُبين دوافع طرح باقات جديدة بأسعار مختلفة”. وربطت الوزارة هذا التوضيح “بضرورة تحسين الخدمة خلال ستين يوماً عبر خطط جغرافية وجدول زمني واضح، ومؤشرات أداء قابلة للقياس”، في محاولة لتهدئة غضب المواطنين.
حاولت شركة “سيريتيل”، وهي إحدى شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا، امتصاص الغضب الشعبي بإصدار بيان بعد يومين فقط. أكدّت “سيريتل” في بيانها تفهمها لضغوط المشتركين، وعملها على “ترميم مئات الأبراج المتضررة، وإضافة أبراج جديدة بتقنيات أحدث، وإطلاق باقات أكثر تنظيماً، وتقديم خصومات تصل إلى 25% لفئات محددة منها القطاع العام، والطلاب، أصحاب الهمم والإعلاميون”. لم ترق هذه التطمينات للكثيرين، خصوصاً مع تقليص عدد الباقات من 200 باقة إلى 15 باقة فقط.
غياب الرقابة على شركتي الاتصالات
يناقض قانون الاتصالات السوري ونظام الهيئة الناظمة للاتصالات ما أوردته وزارة الاتصالات أنّ الشركتين “مستقلّتان”. فهذا القانون يُعطي الهيئة في مادته الخامسة حق “تسعير الخدمات” و”تحفيز المنافسة العادلة… ومنع إساءة استخدام أي شخص لوضعه المهيمن في السوق”. كما تلزم المادة 42 “المرخص لهم ذوي الوضع المهيمن في السوق بالالتزام بالحدود العليا والدنيا للأسعار التي تعتمدها الهيئة”.
ولاشك أنّ احتكار الخدمات من قبل الشركتين يضعهما في خانة “الوضع المهيمن في السوق”، ما يعني أنّ رفع أسعار الاتصالات ينبغي أن يحصل بناءً على موافقة الهيئة المنظمة للاتصالات المرتبطة مباشرةً بالوزير، بحسب المادة الرابعة من القانون عينه. فهل تتنصّل وزارة الاتصالات السورية من ممارسة دورها الرقابي على الشركتين؟
توسّع الفجوة الرقمية
أوجدت الأسعار الجديدة فجوة رقمية كبيرة، لا سيما عند مقارنة معدّل الدخل للمواطن السوري وأسعار الإنترنت الحالية. يبلغ “راتب الموظف نحو 400 ألف ليرة سوري (نحو 40 دولار) وهذا ما يُفسّر محدودية القدرة المادية لدى المواطنين”، فوفقاً للصحافية المُستقلة، سالي علي، التي تلفت في حديث لـ”سمكس” إلى أنّ “الفئة الأكثر تأثراً هم طلاب الجامعات الذين ينتقلون للسكن في أماكن قريبة من الجامعات، وتلك المنازل لا تتوفّر فيها خدمة انترنت منزلي، ما يجعل الحاجة إلى الإنترنت عبر الجوال أكثر إلحاحاَ”.
وبالتوازي، “ثمّة فئة من المواطنين الذين كانوا يعمدون لتفعيل الإنترنت مدة أسبوع كلما سمحت الظروف المادية، لكنّهم باتوا غير قادرين على ذلك”، حسبما تقول لـ”سمكس”، زينب جبلي، التي تعمل في شركة لتقديم الخدمات.
تشرح جبلي الفروق بين الباقات موضحةً أنّها “في السابق كانت تشتمل على الكثير من الخيارات، مثل باقة لمدة 3 ساعات و3 فترات من اليوم بحيث تختلف الأسعار بين الصباح والظهر والمساء، وكانت تكلفتها نحو 1500 (0.10 دولار) ليرة سورية”. أمّا اليوم، ووفقاً للقرار الجديد، “أُليغت هذه الباقة، وحلّت محلّها أخرى تتضمّن ثلاث ساعات مقابل 3 آلاف ليرة سورية (0.30 دولار)”. ومن الباقات الأخرى “باقة صبايا” التي كانت تتضمن 300 دقيقة للمكالمات و500 رسالة نصية لمدة شهر بنحو 12 ألف ليرة سورية (دولار واحد)، ليصبح الحد الأدنى من باقات الشهر الواحد يبلغ 180 ألف ليرة سوري (نحو 18 دولار).
أما بالنسبة إلى الباقات الأسبوعية، تشير رهف حموي، العائدة منذ نحو عام إلى سوريا، إلى مُشكلة في مدى تعقيد آلية الاشتراك بالباقات. توضح حموي أنّها تشترك بخدمة أسبوعية مقابل 30 ألف ليرة سورية (نحو 2.7 دولار) وتتجدد تلقائياً، إلا أنّها نادراً ما تكفي أسبوع كامل، فتجد نفسها مضطرة لتجديد الاشتراك.
من جهة ثانية، يشكّل انقطاع الإنترنت المنزلي وارتفاع سعره مشكلة أخرى. واجهت جبلي مشكلة في انقطاع الإنترنت المنزلي منذ نحو 4 أشهر بسبب “سرقة الكابلات”. ومن أجل تفادي الاشتراك بالباقات لجميع أفراد الأسرة “اشتركنا بالانترنت الهوائي، مقابل 100 ألف ليرة سورية شهرياً (نحو 10 دولارات)”، مضيفةً أنّ “هذه الخدمة تُقدم عبر شركات خاصة، بحيث يشترك فردٌ ويحق له منح 5 خطوط وتأجيرها لمنازل ملاصقة به”.
يعاني كذلك العاملون من بُعد من ارتفاع أسعار الإنترنت وسوء الخدمة، مثلما يحصل مع نوارة ملحم، التي تعمل في سوريا من بُعد مع شركة متخصصة بالاستشارات التجارية في دبي، والتي أصبحت تدفع ضعف المبلغ السابق بمعدّل 400 ألف ليرة سورية (نحو 36 دولار) شهرياً. “هذا الارتفاع في الأسعار إلى تحسن في جودة الخدمة، أي أن المعادلة باتت سعراً مرتفعاً مقابل خدمة سيئة”، توضح ملحم لـ”سمكس”.
هكذا، تحوّل قرار شركتي الاتصالات في سوريا إلى عبء إضافي على المواطنين الذين باتوا يواجهون عوائق مادية تحول دون وصولهم إلى خدمات الإنترنت السيئة أصلاً، ما يعمّق الفجوة الرقمية بين مختلف فئات المجتمع في ظل تدنّي القدرة الشرائية.
الإنترنت والاتصالات حقّ متأصّل لجميع المواطنين أكثر من كونه سلعة لتحقيق الربح، وهذه نقطة الانطلاقٍ الأساسية التي يُبنى عليها. فهل تعيد وزارة الاتصالات السورية النظر في هذا النهج؟