في ظلّ الحرب الإسرائيليّة التي يشهدها لبنان حالياً، تستعر الجبهة الرقميّة تماماً كتلك العسكريّة، بما يؤثّر بشكلٍ مباشر على حياة الناس وأمنهم. كشف هذا الواقع مدى هشاشة بنية الدولة على صعدٍ عدّة، أبرزها قطاع الاتصالات، والأمن السيبراني، وخصوصيّة البيانات، مما أدّى إلى استهدافاتٍ ميدانيّة وخروقاتٍ خطيرة. وهو أمرٌ لطالما حذّرنا منه كـ”سمكس” وطالبنا باستدراكه قبل فوات الأوان.
يستعرض هذا الدليل أبرز مكامن الضعف التي لم تولد خلال الحرب، بل تعود إلى سنوات من الإهمال وغياب التخطيط والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والتي عرّتها الحربان الماضية والحاليّة، وعمّقت آثارها على قطاع الاتصالات في لبنان.
لا قوانين تحمي بيانات الناس وخصوصيّتهم
قبل أيّام، ألقت الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض على عميلٍ تبيّن أنّه يعمل لصالح الموساد الإسرائيليّ، وعلى علاقة باستهداف فندق “كومفورت” في منطقة الحازمية.
بعد التحقيق معه، تبيّن أنّ العميل سلّم إسرائيل “الداتا” المتعلقة بشركة كهرباء لبنان، ووزارة الاتصالات و”أوجيرو”، ووزارة الصحة، وتفاصيل عن شركات التوصيل في لبنان، وتفاصيل دقيقة جداً عن لوحات السيارات التي تُصدر من هيئة إدارة السير في لبنان، والداتا المتعلقة بهذه اللوحات ومن يشتريها.
في منشورٍ له، يشير مدير برنامج الإعلام في “سمكس”، عبد قطايا، إلى أنّ إسرائيل تسعى إلى الحصول على بيانات جديدة ومحدّثة لا تقتصر على تلك المتداولة في المجموعات، مثل بيانات تسجيل المركبات والبيانات المالية وغيرها. ويضيف أنّ وجود مقرصن أو شبكةٍ لا يعرف جميع أعضائها بعضهم بعضاً يتيح التحقق من الأهداف، ومطابقة المعلومات ميدانياً على أرض الواقع.
وبالحديث عن إسرائيل، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عمل الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، التي تكاد لا تفارق الأجواء اللبنانية منذ أكثر من عاملين، مثل “هرمز 450” و”هرمز 900″، تجمع معلومات الإشارة (SIGINT)، وهي قادرة على اعتراض إشارات الهاتف المحمول، و”الواي فاي”، وبيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، والبيانات الوصفية للاتصالات. وكلّ هذا يسمح لإسرائيل برسم خرائط للسلوكيات، وتتبّع الأجهزة، وجمع معلومات حسّاسة من المقيمين اللبنانيين دون الحاجة إلى دخول الأراضي اللبنانية.
يعدّ مبدأ حماية البيانات نهجاً يتّبع، ويحميه القانون، ويتوجّب على الدولة مراعاته عند إقرار القوانين، وإبرام الصفقات، وإطلاق المنصّات، وإنجاز المعاملات إلكترونيّة كانت أم ورقيّة، وغير ذلك. إلا أنّ هذا لا ينطبق على لبنان. وقد كشفت تحليلات “سمكس” أنّ معظم هذه المنصّات تفتقر إلى أبسط معايير الحماية، أو سياسات الخصوصية، أو حتى حماية بيانات المقيمين من الجهات الداعمة.
أقرّ مجلس النواب اللبناني، في نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2018، “قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي”، والذي بدأ العمل عليه منذ عام 2004 بهدف تنظيم التجارة الإلكترونية. ولكن، أثبت تحليلٌ أجرته “سمكس” أنّ أسُس حماية البيانات الشخصية للمواطنين اللبنانيين الواردة في هذا القانون قديمة وغير فعالة.
على مدى السنوات الماضية، أطلقت السلطات اللبنانية عدداً من المنصّات الإلكترونيّة، منها ما كان استجابةً لظرفٍ طارئ، ومنها ما كان هدفه تسهيل الاستحصال على معاملاتٍ حكوميّة أو التسجيل عند الحاجة.
في الأوّل من أيلول/سبتمبر 2020، أطلقت وزارة الصحّة العامّة تطبيق “معاً ضدّ الكورونا” لتتبُّع أثر المخالطين بهدف وقف تفشّي فيروس كوفيد-19. وبعد إجراء مراجعة للتطبيق، تبيّن لـ”سمكس” أنّه يعاني من ثغراتٍ أمنيّة أساسية، ما يتركه عرضة لاستغلال أطراف ثالثة، ويفتقر للتشفير، بالإضافة إلى أنّ الكثير من الملفّات في التطبيق محدّدة بتعليمات برمجية ثابتة (hardcoded)، ما يعني أنّ معلومات حسّاسة، مثل اسم المستخدِم وكلمة السر الخاصة بمدير النظام، قد تكون مُتاحة لجهات قد تستغلّها لغايات خبيثة. وكذلك الحال بالنسبة إلى قاعدة بيانات لغة الاستعلامات البنيوية (SQL) الخاصة بالتطبيق، التي تنفّذ استعلامات SQL أوّلية، فقد تبيّن أنّها عرضة لهجمات حقن لغة الاستعلامات البنيوية (SQL injection attack)، أو لهجمات قد تسمح لأطراف ثالثة خبيثة بالوصول إلى معلومات حسّاسة تابعة للمستخدِمين ولمديري النظام.
وفي كانون الثاني/يناير 2022، أطلقت المديرية العامّة للأمن العام في لبنان منصّةً جديدة لحجز مواعيد تجديد جوازات السفر بهدف معالجة مشكلة الاكتظاظ في مراكز تقديم الطلبات. وبعد معاينةٍ أوّلية، تبيّن لـ”سمكس” أنَ المنصّة تفتقر إلى تدابير أمن البيانات وحماية الخصوصية والشفافية، وأنَ الجهة التي أنشأت المنصّة هي “مؤسّسة هاني صليبا”، وهي جمعية تابعة لأحد المرشّحين للانتخابات النيابية المقبلة آنذاك.
كما أطلقت المديرية العامة للأحوال الشخصيّة في لبنان، في شباط/فبراير 2025، حملة تشجّع الناخبين/ات على التأكّد من معلوماتهم الشخصيّة على القوائم الانتخابيّة الإلكترونيّة بحلول الأوّل من آذار/مارس 2025. يُتيح العرض العلني لقوائم الناخبين/ات والتفاصيل الشخصيّة عبر الإنترنت الوصول إلى المعلومات الشخصية الحساسة واستغلالها من قبل أيّ شخصٍ، كما حصل في خلال حرب الـ2024 الإسرائيليّة على لبنان. كما يستطيع المستخدمون/ات أيضاً رؤية كافّة الناخبين/ات في القسم نفسه بمجرّد تحديد محافظة الناخبين، وقريتهم، وحيّهم، ونوعهم الاجتماعي، وطائفتهم، ورقم سجلّهم المدني.
وتفتقر المنصّة، التي تتلقّى الدعم المالي والفنّي من الاتّحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إلى شروط الخدمة وسياسة الخصوصيّة، ما يمنع المستخدمين/ات من فهم طابع البيانات التي تُجمع عنهم، وكيفيّة ومكان تخزينها، والإجراءات الأمنيّة المطبّقة لحماية هذه البيانات، والخطوات المتّخذة في حال حصول خرق.
وفي السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى أنّه يجري تسريب بيانات أرقام لوحات السيّارات في لبنان كلّ سنةٍ تقريباً بسبب سياسة تخزين البيانات وحمايتها الهشّة والبدائيّة التي تتّبعها الحكومة اللبنانيّة وإداراتها، إذ تُخزّن البيانات المتعلّقة بلوحات السيّارات على أقراصٍ مدمجة غير مشفّرة وغير محميّة، ما يسهّل التزوير في عمليّات تسجيل السيّارات. وتتضمّن البيانات المحفورة على الأقراص المدمجة اسم مالك/ة السيارة بالكامل، بالإضافة إلى تاريخ ومكان الولادة، ورقم السجلّ، ومكان الإقامة، ورقم الهاتف الجوّال والثابت.
وأخيراً، يُعاني لبنان من ضعفٍ كبير في تبنّي بروتوكول IPv6، وهو الجيل التالي من عناوين بروتوكول الإنترنت، الذي يوسّع نطاق الشبكة عبر عددٍ أكبر من العناوين، كما يحسّن الكفاءة والأمان. بنسبة تبنٍّ تقل عن 1%، مقارنة بـ 40% في آسيا، يتخلّف لبنان عن مواكبة التطورات التقنية اللازمة لاحتضان تقنيات ناشئة مثل الحوسبة السحابية والبُنى الذكية.
ولم يصدر في لبنان حتّى اليوم قانونٌ حول الخصوصية، بل يقتصر الأمر على قانونٍ عام يُعنى بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي (81/2018) وقانونٍ آخر قديم حول التنصّت (140/1999).
ليست هذه سوى أمثلة توصّف النموذج المتّبع، وتبقى الأسئلة الأساسية حول البيانات، وأماكن الاحتفاظ بها، ومدّة الاحتفاظ بها، وأساليب الاحتفاظ بها، وهويّة الأطراف المخوّلين الوصول إليها، من دون إجابات.
واقع الأمن السيبراني
كشف أحدث تقرير قُطري (إقليمي) لجمعية الإنترنت (ISOC) الذي صدر عام 2024 أنّ درجة الأمن السيبراني في لبنان لا تتعدّى 30.44 من أصل 100، ما يشير إلى ضعفٍ كبير في الحماية، كما ولا تتجاوز نسبة تبنّي بروتوكول IPv6، وهو الإصدار الأحدث والأكثر أماناً من عناوين بروتوكول الإنترنت، نسبة 1%، مقارنةً بنسبة 40% في آسيا.
وباعتبار لبنان بلداً كثير الاضطرابات والأزمات، يُفترض أن يكون أكثر استعداداً من حيث الأمن الرقمي، لئلّا يكون ملايين المستخدمين عرضة لتهديدات كالتصيّد الإلكتروني، والبرمجيات الخبيثة، والتجسس الرقمي.
منذ بداية الحرب على لبنان في أيلول/سبتمبر 2024، والتي تشنّها إسرائيل، أحد أبرز الأطراف التي ثبت انغماسها في أعمال التجسّس والقرصنة في المنطقة والعالم، أبلغ الكثير من المقيمين في البلاد عن أنشطة مشبوهة على أجهزتهم، ممّا قد يشير إلى احتمال حدوث اختراق جماعي لشبكة الاتصالات، فضلاً عن المناشير التي تضمّن أكواد QR وألقيت في عدّة مناطق لبنانيّة. كما سبق أن انتشرت، بعد انتهاء حرب أيلول/سبتمبر 2024 وعودة النازحين، استماراتٌ عشوائية توهم الجهات التي تقف وراءها المتضرّرين بأنّها ستقدّم لهم المساعدات، تطلب فيها تفاصيل متعلّقة بإعادة الترميم وحجم الأضرار في منازلهم. لم تكن هذه الاستمارات معروفة المصدر، و بقي الهدف منها مجهولاً.
كيف تتعامل السلطات الرسميّة في كلّ هذه الأحداث؟
أثبتت الخروقات المتكرّرة، بالإضافة إلى الحربين الماضية والحاليّة وقبلهما حتى، افتقار لبنان لأيّ أسس حماية استراتيجيّة لحفظ الأمن السيبراني، سواء لحماية مواقع الدولة الإلكترونيّة أو أمن المقيمين على الأراضي اللبنانية من مواطنين ونازحين ولاجئين وعمال مهاجرين/ات.
عام 2019، أعدّت رئاسة مجلس الوزراء ما أطلقت عليه “الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني”، إلا أنّها بقيت حبراً على ورق، ولم تُفعّل لوضع أسس ومعايير واضحة للمنصّات والمواقع الرسمية.
في آب/أغسطس 2024، أعلنت السلطات أنّها تعمل على تعديل منصّة “النافعة” التي أطلقت لحجز المواعيد لـ”هيئة إدارة السير والآليات والمركبات”، بعدما تم اكتشاف أن المنصة الحالية آنذاك مخترقة من قبل مجهولين.
وفي حزيران/يونيو 2025، تعرّض موقع مصلحة الأرصاد الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت لعمليّة قرصنة، رُجّح حينها أن تكون قد استمرّت لأكثر من 9 ساعات. وفي كانون الثاني/يناير 2024، تعرّض مطار رفيق الحريري الدولي إلى ما سُمّي خرقاً سيبرانياً، أدّى إلى عرض رسائل سياسية على الشاشات كما وإلى توقّف جرّارات نقل حقائب المسافرين. لم تكشف أيّ جهة ما إذا كانت البيانات قد تعرّضت لأيّ عملية خرق، وهي بيانات تشمل بيانات المطار والرحلات الجوية وبيانات الركّاب.
بالإضافة إلى الحوادث التي ذكرناها، سبق أيضاً أن تعرّض أفرادٌ ومواقع إلكترونيّة حكوميّة في لبنان للخرق والقرصنة، ووصل الأمر حدّ استهداف شركات خاصّة لبنانيّة، مثل شركة “طيران الشرق الأوسط” (MEA)، وهي شركة الطيران الوطنية.
وعلى الرغم من ذلك، لم تتّخذ الحكومة اللبنانيّة أي إجراءاتٍ علنيّة لحماية شبكات الاتّصالات، أو التحقيق في الحوادث وكيفيّة استغلال الإسرائيليين للشبكات المحلّيّة.
نماذج صفقات لا تحترم أمن البيانات والسيادة الرقميّة
تكثر المآخذ التي سبق وأن سُجّلت على ما أبرمت أو حاولت السلطات والوزارات إبرامه، ضاربة بعرض الحائط خصوصية المستخدمين/ات وأمن بياناتهم. وتمثّل صفقات “ستارلينك”، والمحافظ الإلكترونيّة، وبرمجيات رصد الاتصالات أمثلة واضحة على ذلك.
ستارلينك
في الوقت الذي تبلغ فيه معاناة المقيمين في لبنان أشدّها من جرّاء الحرب، مرّرت الحكومة اللبنانية قرار توسيع ترخيص خدمات “ستارلينك”، وذلك في جلسة عقدتها في 5 آذار/مارس 2026. ووسّعت الحكومة مروحة الجهات المستفيدة من خدمات “ستارلينك”، متجاوزة المحاذير الأمنية التي كانت تشترط ولوج الأجهزة الأمنية للبنية الرقابية من ناحية أخرى.
وقد وجّهت “سمكس” سلسلة من الأسئلة للوزارة، التي لم تجب عن استفساراتٍ تتعلّق بالمخاطر الأمنية المترتبة على ذلك، ولا عن الجهة التي ستكون مسؤولة عن بيانات المستخدمين (التي يُفترض أن تمرّ عبر أجهزة مركز التحكم الأمني في قطر، والذي لم يكن جاهزاً قبل شهر أيار/مايو المقبل).
وبناءً على هذا القرار، سُمح باستخدام الخدمة من دون وجود مركز تحكم أمني حتى، ممّا يشكّل تفريغاً تاماً لضمانات المراقبة والحماية، وتنازل غير مسبوق عن بيانات المستخدمين. كما أنّ القرار الجديد لا يستوفي المعايير الدولية للحقوق الرقمية التي تتطلب أن تكون أي مراقبة أو وصول للبيانات “قانونية، وضروريّة، ومتناسبة” في ظل غياب المركز الأمني والرقابة الفعلية.
يعتبر التالي المأخذ الأساسي على هذه الخطة: في بادئ الأمر، اشتُرط وجود مركز بياناتٍ في قطر يمكن للأجهزة الأمنيّة اللبنانية المرور عبره للوصول إلى حركة البيانات، إلّا أنّ الحكومة تخلّت عن هذا الشرط في جلستها الأخيرة، مما يعني أنّ بيانات اللبنانيين باتت مرتبطة ومكشوفة أمام السلطات الأميركية، مع إقصاء واضح للأجهزة الأمنيّة اللبنانية.
صفقة “أوراكل”
فاجأنا وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كمال شحادة، بالإعلان قبل أيام عن مذكرة تفاهم استراتيجية غير منشورة للعلن بين الحكومة اللبنانية و شركة “أوراكل” الأميركية لتدريب 50 ألف شخص، في كانون الأول/ديسمبر 2025.
غُلّفت هذه الإتفاقية بعبارة “هبة مجانية” للإيحاء بأنّها إنجاز يُسجّل للوزارة، في حين لم تُعرف جدواها في خطط الرقمنة في لبنان، لا سيما وأنّ معظم التدريبات التي تقدّمها “أوراكل” تركّز حصراً على المنتجات والبرمجيات التي تنتجها “أوراكل” بنفسها.
ويتمثل التحدي الأبرز الذي تفرضه هذه الاتفاقية في تبنّي بنية تحتية جديدة أميركية المصدر لأغراض التدريب والأعمال. لا يقتصر الأمر على مخاطر انتهاك الخصوصية، بل يشمل تبني واستخدام كامل البنية التحتية التي تعرض “أوراكل” تدريبنا عليها مجاناً. ولا يمكن توفير أي ضمانات حقيقية حول مصير هذه البيانات.
كما وتُعرف شركة “أوراكل” بطبيعتها الرأسمالية التي تضع تحقيق الربح هدفها الأسمى، وقد شهدت مؤخراً تراجعاً ملحوظاً في بياناتها المالية نتيجة لتعثر مشاريعها في مجال الذكاء الاصطناعي. هذا الواقع يدفع شركات التكنولوجيا للسعي نحو التوسّع والانتشار في بلدان وأسواق أصغر لا سيما في الجنوب العالمي، بهدف جمع المزيد من البيانات القيّمة للعودة إلى المنافسة.
المحافظ الإلكترونية
منذ عام 2019 حتى اليوم، نجحت 19 شركة ماليّة بنيل ترخيصٍ من مصرف لبنان المركزيّ لإنشاء المحفظة الإلكترونيّة الخاصة بها وطرحها في السوق. ولكن، على عكس النموذج المتّبع عالمياً، لم تكن شركتا الاتصالات المحليتين، “ألفا” و”تاتش”، من بين هذه الشركات. وقد وُضعت أمامهما عقبات مُفتلعة من قبل وزير الاتصالات السابق جوني القرم، ونُزع حقّ إنشاء هذه المحافظ من “ألفا” و”تاتش” لتوضع تحت جناح مؤسّساتٍ ماليّة”.
لكيّ تتمكّن أيّ شركة من إنشاء محفظة إلكترونيّة خاصة بشركتي الاتصالات، سوف تكون بحاجة للحصول على بيانات عملائهما، وبالتالي، ستكون هذه المعلومات الحساسة في أيدٍ أجنبيّة، مما يشكّل تهديداً كبيراً على هذه البيانات وأصحابها.
بموجب هذا القرار، ستُنقل البيانات المالية والشخصية الحساسة للمستخدمين إلى كيان قد لا يكون خاضعاً بالكامل للأطر القانونية والتنظيمية في لبنان، ومن دون ضماناتٍ وقوانين ولوائح واضحة بشأن توطين البيانات، والأمن، والرقابة، فقد يؤدي ذلك إلى انتهاك خصوصية المستخدمين ويُضعف سيطرة لبنان على بنيته التحتية المالية.
ولا تؤمّن التراخيص التي يمنحها مصرف لبنان سوى حماية قانونية للشركة الأجنبية، مما يزيد المخاطر بدلاً من الحد منها.
“أستيليا”
تعتمد الأجهزة الأمنية اللبنانية نظام “أستيليا” (Astellia) للرصد، الذي تستخدمه شركتا الهاتف الخليوي لتشغيل أداة رصد أداء الشبكة الخاصة بها، مما يتيح للمشغّلين جمع معلوماتٍ تسمح بكشف الهويّة وبيانات شخصية للحفاظ على جودة الخدمات.
وقد سبق أن كشفت مصادر لـ”سمكس” بأنّ الأجهزة الأمنية اللبنانية تمتلك بالفعل نظام تنصّت يمكنها استخدامه، وأضاف: “هناك خلافات بين الأجهزة الأمنية الأربعة الكبرى حول الجهة التي ستتولّى إدارة النظام. لذا، فقد سلكت الطريق الأسهل وتوجّهت مباشرةً إلى شركتَيْ الهاتف الخليوي”.
خلاصة عامّة وتوصيات
في خضمّ الحرب التي تشنّها إسرائيل على لبنان، والتي لطالما كان جانبها التكنولوجي والسيبراني جزءاً أساسياً، تكتسب مسألة الأمن الرقمي وحماية البيانات بُعداً سيادياً ملحاً لا يقلّ أهمية عن سائر الجبهات المستعرة.
وقد تفاقمت الإشكاليات القائمة بصورةٍ حادّة مع اندلاع هذه الحرب، لا سيّما في ظلّ غياب خطط طوارئ واضحة وجاهزة للتعامل مع الأزمات السيبرانية والرقمية ومشاكل الشبكة، غير أنّ هذا التدهور ليس وليد اللحظة، بل امتدادٌ لواقعٍ هشّ ومزمن لطالما اتّسم بضعف البنية التحتية الرقمية، وغياب التخطيط الاستراتيجي، والتقصير في بناء منظومة متكاملة للأمن السيبراني. وقد عرّت الحرب عمق الثغرات الموجودة، وفي الوقت الذي تتحدّث فيه الحكومة اللبنانية عن خططٍ طموحة للتحوّل الرقمي، واعتماد استراتيجياتٍ قائمة على الذكاء الاصطناعي، والتوجّه نحو تفكيك الشبكات غير الشرعية للإنترنت، والانفتاح على مبادراتٍ عالميّة، يبقى السؤال: كيف يمكن لبلدٍ أن يحقّق هذه الأهداف من دون أن يملك بنيةً تحتيةٍ رقميّة ومتينة؟
ينبغي لأيّ مسارٍ إصلاحي في هذا المجال أن ينطلق من معالجة الأسس، وفي مقدّمها الإطار القانوني والمؤسّسي والتقني لحماية البيانات والخصوصية. وعليه، تبرز الحاجة إلى إصلاحاتٍ قانونيةٍ ملحّة، واعتماد قانونٍ جديدٍ متكاملٍ يركّز على حماية البيانات الشخصية، واعتماد تدابير تقنية صارمة، والالتزام ببروتوكولات حماية البيانات، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة، عند إنشاء أيّ منصّات إلكترونيّة تجمع أيّ نوعٍ من البيانات الشخصية.
ويُعدّ تحسين وتعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات في لبنان ضرورةً ملحّة لضمان استمرارية وصول المقيمين في لبنان إلى خدماتٍ آمنة وذات جودة عالية. ويتضمّن ذلك تحديث الشبكات والأنظمة، وتعزيز مرونتها في مواجهة الأزمات، إلى جانب اعتماد مبادئ الحوكمة التي تقوم بشكلٍ أساسيّ على الشفافية والمساءلة.
بالتوازي، يتعيّن على السلطات اللبنانية تحديث وتفعيل استراتيجيّة الأمن السيبراني والعمل بها، وتعزيز بنية البلاد التحتية في مجال إدارة البيانات والأمن السيبراني، والتعامل بشفافيّة تامّة مع أي خروقاتٍ قد تحدث.
من جهة أخرى، ينبغي أن تحدّد الحكومة استراتيجية شاملة لقطاع التكنولوجيا، تبدأ بتوضيح صلاحيات الوزارات والهيئات التنظيمية، وتحديد أولويات البنى التحتية، بما يشمل حوكمة البيانات وإدارتها وحماية الأمن السيبراني، على أن تتّسم هذه الاستراتيجية بالواقعية والتكامل والتناسب مع البيئة المحلية.
وفي يتعلّق بالمشاريع و”الهبات” وبرامج التدريب”، لا بد من التروّي قبل القبول بأيّ منها، وإخضاعها لتقييمٍ دقيق من حيث أثرها على صعيد الأمن والخصوصية وحماية البيانات، فضلًا عن دراسة سجلّات الشركات المعنية والولاية القضائية التي تخضع لها والقوانين التي تحكمها. وفي السياق ذاته، يتوجّب على لبنان أن يقرأ بعناية مشهد سوق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي العالمي، وأن يستفيد من التجارب الدولية لتعزيز بيئته الرقمية وتحصين سيادته الرقمية.
أمّا على المستوى التقني، أظهرت مكامن الضعف في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الحكومية الحاجة إلى تحديثٍ منتظم للبرامج وأنظمة التشغيل والتطبيقات، واعتماد أنظمة مراقبة مستمرة وتصحيح فوري للثغرات. كما يبرز ضعف الوعي بالأمن السيبراني والخصوصية لدى الموظفين/ات، ما يستدعي تنظيم تدريباتٍ دورية تركّز على أفضل الممارسات وآليات الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة.
لا بدّ أيضاً من المرور على مسألة الاعتماد المفرط على التكنولوجيا مغلقة المصدر في لبنان، في وقتٍ يتجه فيه العالم تدريجياً نحو تبنّي البرمجيات مفتوحة المصدر، كما هو الحال في الدنمارك وفرنسا وغيرهما من الدول. ومن هذا المنطلق، يُستحسن أن يبادر لبنان إلى الانخراط في هذا المسار، نظراً لفعاليته من حيث التكلفة والقدرة على التكيّف مع الاحتياجات المحليّة. ويمكن للبنان إطلاق برنامج وطني بالشراكة مع الجامعة اللبنانية وسائر الجامعات الخاصة، يُعنى بتطوير هذا النوع من البرمجيات، والعمل على توطينها وتوطين بياناتها، وضمان حمايتها، واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي.
وأخيراً، وفي ما يعلّق بالجاهزية للاستجابة للحوادث، ينبغي تطوير خططٍ متكاملة للاستجابة والطوارئ، وتحديثها دورياً، كما يتعيّن تعزيز أمن الشبكات عبر اعتماد جدران الحماية، والتشفير، ومراقبة الأنشطة الشبكية باستمرار.
تتطلّب معالجة هذه التحديات نهجاً متكاملًا يجمع بين فهم المخاطر، ومواكبة التطوّر التكنولوجي، وبناء السياسات والاستراتيجيّات عليها. وللقيام بذلك، لا بدّ من التعاون مع خبراء سيبرانيين ذوو فهمٍ عميق للتقاطع بين اختصاصهم و حقوق الإنسان، والاستفادة من التجارب الناجحة حول العالم، وإيلاء الأولويّة القصوى لأمن الناس وخصوصيتهم.
قطاع اتصالاتٍ متصدّع
لم يختلف واقع قطاع الاتصالات خلال الحرب الحاليّة عمّا كان عليه خلال الحرب الإسرائيليّة التي اندلعت في أيلول/سبتمبر 2024، والتي استشهد خلالها الآلاف من المقيمين على الأراضي اللبنانيّة.
لم تضع وزارة الاتصالات اللبنانيّة خطّة طوارئ لمواجهة الواقع المزري للإنترنت والاتصالات في البلاد قبيل الحرب الماضية، ولا حتى قبيل الحرب الحاليّة. ويأتي تخلّف الوزارة هذا عن تحمّل مسؤوليّاتها والقيام بواجباتها، بعد مطالباتٍ دامت لأكثر من سنة ونصف تلت حرب أيلول /سبتمبر 2024، وشهوراً سبقت هذه الأخيرة، هذا إن تغاضينا عن حقيقة أنّ وجود خطّة طوارئ هي أمرٌ يُنجز في أيّام السلم والاستقرار، تحسّباً لأيّ أزمات أو حروب.
*تجدر الإشارة إلى أنّ محطّات “ألفا” و”تاتش” و”أوجيرو” ما زالت تعاني من أعطالٍ كبيرة من جرّاء حرب العام 2024، ولم تجرِ صيانتها بشكلٍ كامل. ويشكّل هذا سبباً أساسياً من أسباب سوء خدمة الإنترنت (أو انقطاعها حتى) التي لم تكن ذات جودة عالية أصلا في جنوب لبنان، حتى قبل الحرب. للمفارقة، فعّلت الشركتان المشغّلتان لقطاع الاتصالات في لبنان، “ألفا” و”تاتش”، خدمة التجوال المحلي للبيانات (Data National Roaming)، قبيل اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان في بداية آذار/مارس الماضي. وتمكّن هذه الخدمة المشتركين/ات من الاتصال بشبكة الشركة الأخرى تلقائياً، في حال غياب التغطية عن شبكته.
يعاني القطاع اليوم من مشاكل عديدة، أبرزها عدم قدرة النازحين/ات على الاتصال الوصول إلى الإنترنت، وذلك لأسبابٍ عديدة أبرزها غلاء أسعار هذه الخدمات ذات الجودة السيئة أصلاً، والضغط المتعاظم على الشبكة في المناطق “الآمنة” ومراكز الإيواء.
وفي محاولةٍ لتخطّي هذه الأزمة، يحاول النازحون أنفسهم ابتكار طرقٍ للوصول إلى الإنترنت، فمنهم من يستعين ببطاريات السيارات، ومنهم من يحاول الاتصال بشبكة “واي فاي” لمحلات مجاورة لمراكز الإيواء. وفي حين أطلقت شركة “تاتش”، إحدى شركتي الاتصالات الخاصتين في لبنان، باقة “تضامنيّة” توفر بياناتٍ بكلفة مخفّضة، يبقى تمديد فترات السماح قبل قطع الخطوط حاجةً أساسيّة، والعمل على رفع جودة الخدمات وتقوية الشبكة أمراً ضرورياً.
يؤثّر هذا الواقع على قدرة الناس على التواصل فيما بينهم، والاطمئنان على أحبائهم، ومتابعة الأخبار، والعمل والتعلّم عن بعد. علاوة على ذلك، لا يقلّ دور الإنترنت والأجهزة الإلكترونية كأدوات ترفيه أهميةً عن باقي الأمور التي ذكرناها آنفاً، خاصة في أوقات الحروب والأزمات. ويعدّ توفّرها حقاً، وغيابها سبباً مباشراً لتقويض حريّة التعبير والتواصل وطمس سرديّات الشعوب الرازحة تحت وطأة الحرب والاضطرابات.
بعد تسجيل هذه الملاحظات، وجّهت “سمكس” سلسلة من الأسئلة لوزارة الاتصالات، التي كانت ردودها مختصرة وخالية من أيّ إجاباتٍ تقنيّة. ومن ضمن الاستفساراتٌ التي لم تجب عليها، اسئلةٌ متعلّقة بكيفيّة تأمين الإنترنت في الأماكن التي تشهد ضغطاً سكانياً نتيجة النزوح، وإمكانيّة تعزيز الشبكة وتوسعتها، وعمّا إذا كان سيتم تركيب محطاتٍ متنقلة في مناطق الضغط السكاني. كذلك، لا جواب لدى الوزارة حول آلية مواكبتها لعمليّة التعليم عن بُعد، وما إذا كان سيتمّ تأمين الإنترنت عبر أجهزة “الراوتر” مجاناً في مراكز الإيواء، كما لم تعطِ أيّ تفاصيل حول مسألة تمديد صلاحية تشريج خطوط الاتصالات، أو تأمين حزمٍ مجانية للطواقم الإسعافية والصحافيين والعاملين في الظروف الطارئة.
بحسب مصادر الوزارة لـ”سمكس” منذ اللحظات الأولى المفاجئة للأعمال الحربية، تُعقد اجتماعات يومية ومكثفة في الوزارة أو عبر الفيديو من أجل خطة الطوارئ التي تم تفعيلها، إلا أنّها، وفقاً لما لمسناه، خطّة سريّة لا يمكن الإعلان عن ماهيّتها وتفاصيلها!
من جهة أخرى، ما زال السكان يتلقّون، بشكلٍ شبه يوميّ، رسائل واتصالات تهديد تطلب منهم إخلاء منازلهم أو أماكن عملهم “قبل أن يتمّ قصفها”. وفي مقابلة مع “سمكس”، كشف مواطنٌ ممن تلقوا هذه الاتصالات، وقد رفض الإفصاح عن سمه، أنّه اتصل بالجهات الأمنيّة المختصّة للإبلاغ عن الرقم التي تواصل معه، إلّا أنّه تفاجأ بردّ ضاحك مستهزئ، وقال للمتصل :”إذا قالوا لك تخلي، اخلِ”.
على عاتق من تقع مسؤولية ضبط هذه الاتصالات والتعامل معها؟ ننطلق من هنا إلى سؤال واسعٍ آخر، متعلّق بخصوصية البيانات على أنواعها. فمن يحمي بيانات اللبنانيين؟ وكيف سُرّبت على هذا النطاق الواسع؟