ما زالت قضية ضبط وتفتيش الأجهزة الإلكترونية من قبل الأجهزة الأمنية في لبنان محل نقاش عام، مع تسجيل العديد من الحوادث في السنوات الماضية، أبرزها ما حدث مع الصحافية هاجر كنيعو، والصحافي والأكاديمي وسام سعادة، والمخرج هيثم شمص. وقد سجّل العام 2025، أي منذ انتخاب رئيس الجمهورية جوزف عون وتسلّم نواف سلام رئاسة الحكومة الجديدة، تزايداً في الاستدعاءات لأسبابٍ مختلفة.
تجمع قضية ضبط الأجهزة الإلكترونية بين الحق في حماية الخصوصية من ناحية، وحاجة الأجهزة الأمنية للوصول إلى داتا مُعينة عندما تكون الأسباب أمنيّة بحتة. وقد كان هذا موضوع جلسة حواريّة عقدتها منظمة “سمكس”، يوم الأربعاء، 11 شباط/فبراير الجاري، بحضور عددٍ من الحقوقيين والمحامين والصحافيين والتقنيين والمهتمين في هذا المجال.
ضبط هاتف مخرج لبناني لتواصله مع فنّانين فلسطينيين
خلال الجلسة، تحدّث مدير مهرجان “كرامة – بيروت” لأفلام حقوق الإنسان المُخرج، هيثم شمص، عن تجربة استدعائه من قبل الأمن العام اللبناني وضبط هاتفه الخاص. وأشار شمص إلى أنه “فور توجّهي إلى مركز الأمن العام لإنجاز خدمة مدنية، أبلغوني بوجود إشارة من قاضٍ لمصادرة هاتفي”. وأوضح شمص أنه تواصل مع المحامي فاروق المغربي الذي حاول، من خلال التحدث مع المحقّقين أن يعرف من هو القاضي وما هي الإشارة القضائية لتجنّب اضطراري إلى تسليم الهاتف، لكنّ عسكريي الأمن العام رفضوا التعاون وأصرّوا على مصادرته”.
في اليوم التالي، توجه شمص برفقة المغربي إلى مكتب معلومات الأمن العام للخضوع للتحقيق، “حيث سألوني عن المهرجان والمشاركين فيه، وخصوصاً ما يتعلّق بالأفلام الفلسطينية والمُخرجين والفنّانين الفلسطينيين وكيفية التواصل معهم”. ولفت شمص إلى أنه ” بات هناك إشارة قانونية في الأمن العام، بمعنى أنّه يحق للأمن العام التحقيق معه متى يشاء”، وتساءل حول مدى قانونية ذلك، خاصّة أنّ الاستدعاء جرى من دون تقديم أيّ أسبابٍ واضحة.
فرنجية: الإطار القانوني ضبابي وغير واضح
من جهتها، أوضحت المحامية في “المفكرة القانونية”، وهي منظمة غير ربحيّة تعمل في مجالي البحث والمناصرة، غيدا فرنجية، أنّ “موضوع الحد من الاطّلاع على محتوى الأجهزة الإلكترونية هو بمثابة معركة مستمرة منذ سنوات، والمطلوب هو الاستمرار في السعي لانتزاع المزيد من الضمانات القانونية للموازنة بين حقنا في حماية خصوصيتنا ومقتضيات حفظ الأمن وملاحقة الجريمة”.
وأضافت فرنجية أنّه ومع انتشار الهواتف الذكية، بدأت تظهر العديد من الممارسات مثل “تفتيش الأجهزة الأمنية للهواتف من دون إشارة قضائية خلال التحقيقات، أو تفتيشها على الحواجز الأمنية”. أمّا المشكلة الأبرز، بحسب فرنجية، فتتمثل في “غياب الإطار القانوني الواضح، لا سيما وأنّ الضبابية القانونية بهذا الشأن تعطي مجالاً للأجهزة الأمنية والنيابة العامة للتصرف بحرية أكثر من دون ضوابط كافية”.
كرّس المجلس الدستوري في لبنان، وهو هيئة قضائية مستقلة ودستورية مهمتها مراقبة مدى دستورية القوانين (مطابقتها للدستور)، مبدأ سريّة المراسلات وعدم جواز التعرّض للحياة الخاصّة إلا وفقاً لضوابط يحددها القانون، بحسب فرنجية. وبما أنّ الهواتف تتضمّن مراسلات، اعتبرت فرنجية أنّ القانون الأهم لحمايتها هو قانون صون سرية المراسلات رقم 1999/140 الذي كان قد صدر بهدف ضبط التنصت ووضع ضوابط لاعتراض المراسلات من قبل قاضي التحقيق كحالة الضرورة وخطورة الجريمة.
ولكن في العام 2018، صدر قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، الذي أعطى صلاحية للنيابة العامة بضبط الأجهزة الإلكترونية النقالة بحيث يوازي تفتيش الهاتف بتفتيش المنازل. وهذا يعني أنّ ضبط الأجهزة الإلكترونية أصبح يتمّ بقرار شفهي من النائب العام الذي يُعتبر خصم المدَّعى عليه ومن دون وضع ضوابط كافية، في حين “تمنع بعض الدول تفتيش الهاتف إلا في حال كانت الجريمة ذات خطورة”، أوضحت فرنجية.
ولفتت المحامية الحقوقية إلى وجود حالتين استثنائيّتين فيما يتعلّق بضبط الاجهزة الالكترونية، هما المحامين والصحافيين، إذ هناك نصّ قانوني يمنع الاطلاع على المراسلات بين أي مواطن ومحاميه، وأكّدت: “يجب المطالبة بالتعامل مع هواتف المحامين مثل التعامل مع مكاتبهم، أي تفتيشها وفق الأصول القانونية نفسها كاشتراط وجود ممثل عن النقابة”.
وفيما يتعلّق بالصحافيين، أشارت إلى أنّ “اقتراح قانون الإعلام الجديد الذي يناقش في مجلس النواب يتجه نحو منع تفتيش هواتفهم، وذلك لحماية سرية مصادرهم”.
تحديات تواجه ملف ضبط الأجهزة الإلكترونية
وشدّد الحاضرون في النقاش على أهمية إصلاح الإطار التشريعي لوضع ضوابط صارمة تحدّ من انتهاك الخصوصية، وعلى أهمية ضمان احترام الأصول القانونية عند تفتيش الهواتف. واقترح الحضور خطواتٍ من بينها عدم ضبط وتفتيش الهواتف إلا بإشارة قضائية وبحضور المشتبه فيهم، وعدم شمول البيانات والصور التي لا علاقة لها بالدعوى في عملية البحث.
وأخيراً، اتفق الحضور على ضرورة تجنّب تفريغ كامل بيانات الهواتف، وتنظيم مسألة التفريغ وكيفية حفظها وتلفها من قبل الأجهزة الأمنية.
وكانت “سمكس” قد نشرت في شباط/ فبراير 2019 تقريراً بعنوان “عمليات ضبط الأجهزة في لبنان: تقييم الإطار القانوني المتعلّق بعمليات ضبط الأجهزة“، إذ كانت هذه الممارسة منتشرة خلال التظاهرات التي بدأت آنذاك. وخلُص التقرير إلى أنّ الإطار القانوني اللبناني يُعتبر مُبهماً وغير مناسب لحماية الحق في الخصوصية، وطالب بوضع آليات مساءلة للتأكّد من أن الأجهزة الأمنية تحترم القوانين والأنظمة. وكذلك أوصى التقرير بضرورة مواصلة النضال من أجل حقوق الدفاع وإنفاذ المادّة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أمام كلّ السلطات القضائية.