في خطوة طال انتظارها، نشرت شركة “ميتا” تقريرها السنوي بشأن حقوق الإنسان لعام 2024 في كانون الأول/ديسمبر 2025، أي قُبيل عطلة الأعياد مباشرةً، في توقيت يبدو أنه هدف إلى الحدّ من قدرة وسائل الإعلام والمجتمع المدني على التدقيق في مضمون التقرير. لكنّ اللافت في هذا التأخير هو أنّ الشركة كانت قد نشرت تقريرها السابق بشأن حقوق الإنسان في أيلول/سبتمبر 2024، ما يشير إلى نمطٍ مستمر من الاستهتار بحقوق الإنسان وبالتزامات الشركة بموجب المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
من حيث المضمون، يبدو تقرير العام 2024 غير مواكب للتطوّرات الأخيرة من نواحٍ عدّة، ولا سيما عند الأخذ في الاعتبار التغييرات في السياسات التي أعلنها مارك زوكربيرغ في كانون الثاني/يناير 2025. فالمحتوى العام سطحي، ويشير بصورة مبهمة إلى المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة ومبادئ مبادرة الشبكة العالمية (GNI) باعتبارها المعايير الأساسية للالتزام بحماية حقوق الإنسان، ولا يقدّم سوى أمثلة متفرّقة ومنزوعة السياق عن الجهود المحدودة التي تبذلها “ميتا” للتخفيف من مخاطر انتهاك حقوق الإنسان على مستوى العالم. ويغطي التقرير مجموعة من الموضوعات، مقدّماً معلومات وصفيّة أكثر منها تحليليّة.
ويُخصّص جزءٌ كبير من التقرير لموضوعي الذكاء الاصطناعي والانتخابات، وهما موضوعان هيمنا على النقاش العام في العام 2024. غير أنّ القسم المتعلّق بالذكاء الاصطناعي يبدو أقرب إلى محاولة للترويج لمنتجات “ميتا” الجديدة، إذ لا يتضمّن سوى إشارات محدودة وعامّة إلى الضمانات المعتمدة. وبما أن العام 2024 كان أبرز عام انتخابي في التاريخ، واجهت “ميتا” ضغوطاً متزايدة لاعتماد تدابير أكثر صرامة للحدّ من المخاطر المرتبطة بالانتخابات، بما في ذلك المخاطر الناجمة عن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أنّ “ميتا” استثمرت، ظاهرياً، في توفير تدابير وقائية للحؤول دون الاستخدام الخبيث لخدماتها ومنتجاتها خلال انتخابات العام 2024، ألغت الشركة، في العام التالي، آليات التحقّق من المعلومات في الولايات المتحدة بالكامل، وهي خطوة يُرجّح أنها أفرغت أيّ تحسينات سابقة من مضمونها.
ومن التفاصيل المقلقة بشكل خاص، أنّ “ميتا” تتباهى، في القسم المتعلّق بالانتخابات، بإنشاء قنوات تواصل جديدة مع السلطات الحكومية وأجهزة إنفاذ القانون لتلقّي طلبات إزالة المحتوى، بما في ذلك الطلبات المقدّمة لإزالة محتوى بموجب معايير المجتمع الخاصة بـ”ميتا”. ولا يقدّم التقرير أيّ معلومات إضافية عن طبيعة هذه السلطات أو الأجهزة.
يُشار إلى أنّ هذا النوع من الطلبات قد تعرّض لانتقادات من المجتمع المدني وحتى من مجلس الإشراف الخاص بـ”ميتا”، باعتباره يمسّ بحقوق الإنسان. فبخلاف طلبات إزالة المحتوى بموجب التشريعات الوطنية، التي تدرج ضمن تقارير الشفافية الخاصة بـ”ميتا” ويكون أثرها محصوراً محلياً، تؤدي الطلبات المقدّمة استناداً إلى معايير المجتمع الخاصة بالشركة إلى الإزالة الكاملة للمحتوى من المنصّة على نطاق عالمي. ولم تمتثل “ميتا” امتثالاً كاملاً لتوصيات مجلس الإشراف المتعلّقة بهذه الطلبات.
ومن بين الأقسام المهمّة التي كانت تستحقّ مزيداً من التفصيل، القسم المخصّص للاستجابة للأزمات والنزاعات. فبعد سنواتٍ من إصرار المجتمع المدني على أهمية الالتفات إلى اختلاف اللهجات والفوارق اللغوية الدقيقة، أقرّت “ميتا” أخيراً بأنّ اللغة العربية لا يمكن اعتبارها لغة واحدة. وفي سياق النزاع في السودان، اختبرت الشركة نظامها الجديد الذي “يمكنه تحديد اللهجة العربية المستخدمة تحديداً، وتوجيه المحتوى إلى المُراجع الأكثر قدرة على فهمها”. غير أنّ السؤال المطروح هو: هل ستطبّق “ميتا” هذا القرار في سياقات أخرى أيضاً؟
يُشار باستمرار إلى بروتوكول “ميتا” لسياسات الأزمات بوصفه علاجاً شاملاً، على الرغم من أنه أثبت مراراً عدم كفايته، ولا سيما في سياق حرب إسرائيل على غزة. يأتي التقرير على ذكر الحرب بشكل عابر ضمن قسم “الشرق الأوسط”، حيث جادلت الشركة بأنّ الحرب كانت “أولوية لدى ميتا”، مع أنها لم تُذكر سوى في صفحةٍ واحدةٍ في تقرير العام 2024.
وعلى الرغم من ادّعاءات “ميتا” بأنها ركّزت على احترام حرية التعبير، شهد العام 2024 إفراطاً شديداً في الإشراف على الأصوات الفلسطينية، في حين ظلّ المحتوى العبري المحرّض على العنف خاضعاً لإشرافٍ محدود جداً، وهي مسألة أثارها مراراً تحالف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للحقوق الرقمية (MADR). وبالمثل، حثّت “سمكس” وشركاؤها “ميتا” على عدم إدراج مصطلح “صهيوني” باعتباره مصطلحاً يعبّر عن السلوك القائم على الكراهية. ومع ذلك، تحتفي الشركة بهذه السياسة الجديدة في تقريرها لعام 2024 كإنجازٍ متوافق عليه.
كما يرد ذكر سوريا بإيجازٍ شديد في التقرير، على شكل دراسة حالة تتعلّق بمساهمة الشركاء الموثوقين في جهود “ميتا” لصياغة الاستجابة للأزمات وتنفيذ السياسات. ومن اللافت أنه في أيار/مايو 2025، أعلن مجلس الإشراف بدء مداولات بشأن تأثير سياسات الإشراف على المحتوى لدى “ميتا” على حرية التعبير في سوريا، استناداً إلى قضيّتين، ودعا الأفراد والمنظمات إلى تقديم تعليقات عامة. وقدّمت “سمكس” تعليقاً عاماً حثّت فيه مجلس الإشراف على إلغاء قرار إزالة منشورين اثنين.
وسلّطت مداخلتنا الضوء على أنّ إزالة المنشورين المعنيّين تعكس نمطاً متكرّراً يتمثّل في الإفراط المستمر في الإشراف على المحتوى العربي من جانب “ميتا”، وفي الإخفاق المنهجي في مراعاة الواقع السياسي وواقع حقوق الإنسان في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، إلى جانب عجزٍ عن فهم خطاب الكراهية الضمني، مثل ذلك الموجّه ضدّ الدروز في سوريا وغيرهم من الأقليات.
ويأتي التقرير على ذكر الشركاء الموثوقين بشكل متكرر باعتبارهم دليلاً على تفاعل “ميتا” مع مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك المجتمع المدني. وتذهب الشركة إلى حدّ الادعاء بأنها حسّنت سرعة استجابتها للمحتوى المبلّغ عنه عبر برنامج الشركاء الموثوقين، غير أنّ تجربتنا في منصّة دعم السلامة الرقمية لدى “سمكس”، وتجارب منصّات الدعم الأخرى في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، تشير إلى عكس ذلك.
مرّة أخرى، تختار “ميتا” التركيز على الصورة بدل الجوهر. فمع شحّ الأمثلة المحدّدة على الإجراءات المتّخذة لمنع انتهاكات حقوق الإنسان على منصّاتها، واللجوء إلى تعميماتٍ فضفاضة، ينسجم تقرير حقوق الإنسان لعام 2024 مع غياب أي استثمارٍ جدي من جانب “ميتا” في حماية حقوق الإنسان، سواء على الإنترنت أو خارجه.
في العام 2026، لم يعد بوسع “ميتا” التهرّب من المساءلة عبر تقديم معالجات سطحية لقضايا حقوق الإنسان. إذ تتحمّل الشركة مسؤوليات واضحة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهي مسؤوليات منصوص عليها في المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. وتُلزم هذه المبادئ “ميتا” وغيرها من شركات التكنولوجيا بتحديد الأضرار المرتبطة بحقوق الإنسان والمتّصلة بمنتجاتها، ومنعها، ومعالجتها بصورة فعّالة، بدلاً من الاكتفاء بالإقرار بوجودها أو تقديم حلول شكليّة.