أعادت الحكومة اللبنانية فتح ملف إدارة وتشغيل شركتي الخلوي “ألفا” و”تاتش” عبر قرار يقضي بالسير في مسار يفضي إلى إسناد الإدارة والتشغيل إلى مشغّل خارجي، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل قطاع الاتصالات الخليوية في لبنان وآليات إدارة هذا القطاع الاستراتيجي. وفي هذا الإطار، كُلّفت “الهيئة المنظمة للاتصالات”، وهي مؤسسة عامة مستقلة تتولى تحرير وتنظيم وتطوير قطاع الاتصالات في لبنان، بإعداد دفتر الشروط، ومشروع عقد الإدارة والتشغيل، وشروط الاشتراك والتأهيل، بالتنسيق مع هيئة الشراء العام، ضمن مهلة محددة. فما كان من الهيئة سوى اللجوء إلى طرح طلب اقتراحات للتعاقد مع شركة استشارية دولية للمساعدة في إعداد وثائق التلزيم، والنموذج المالي، واتفاقية الإدارة والتشغيل لكل من شركتي MIC1 (ألفا) وMIC2 (تاتش).
ويتركز الاعتراض الأساسي على نقطتين مترابطتين: الأولى أن المادة 19 من قانون الاتصالات رقم 431/2002، التي استند إليها قرار مجلس الوزراء بحسب منتقدي هذا المسار، تتعلق بإعداد دفاتر شروط ومزايدات عالمية لمنح تراخيص اتصالات، لا بإعداد إطار تعاقدي لتلزيم إدارة وتشغيل شركتين تجاريتين مملوكتين للدولة. والثانية أن قرار مجلس الوزراء طلب من الهيئة إعداد دفتر الشروط ومشروع العقد وشروط التأهيل، لا إعداد دفتر شروط للتعاقد مع استشاري يتولى إعداد هذه الوثائق بدلًا منها.
ومن أبرز المعترضين على هذا التوجه، المدير العام السابق لشركة “تاتش” وسيم منصور، الذي اعتبر في حديث مع “سمكس” أن دور الهيئة المنظمة، وفق قانون الاتصالات، هو دور تنظيمي ورقابي وإشرافي، ولا يمتد إلى تولي مسار تعاقدي لتلزيم إدارة وتشغيل شركتين تجاريتين مملوكتين للدولة، ولا إلى الاستعانة باستشاري خارجي لتنفيذ مهمة أوكلها إليها مجلس الوزراء مباشرة. ويرى منصور أن الإشكالية لا تكمن فقط في نتيجة المسار، بل في السند القانوني نفسه: هل يُجيز تكليف الهيئة بإعداد دفتر الشروط ومشروع العقد أن تتعاقد مع استشاري لإعداد هذه الوثائق؟
هذا السؤال لم يأتِ من المعترضين وحدهم. ففي كتاب موجّه إلى الهيئة المنظمة، سجّلت “هيئة الشراء العام“، وهي هيئة تتولى تنظيم الشراء العام والإشراف عليه ومراقبته وتطوير إجراءاته،ملاحظة صريحة مفادها أن الغاية من طلب اقتراحات الخدمات الاستشارية هي إجراء تلزيم لاختيار شركة تؤمّن المساعدة في إعداد وثائق التلزيم والنموذج المالي واتفاقية الإدارة والتشغيل، ثم تساءلت عن السبب الذي يحول دون قيام الهيئة المنظمة نفسها بتنفيذ هذه المهمة ما دامت قد كُلّفت بها أصلًا. كما أشارت بوضوح إلى أن قرار مجلس الوزراء تضمّن تكليف الهيئة إعداد دفتر الشروط، وليس “التعاقد مع الغير لإعداده”.
ولم يقتصر الأمر على هذه الملاحظة. ففي كتاب آخر، عادت هيئة الشراء العام إلى السند القانوني والمالي الذي استندت إليه الهيئة المنظمة لتبرير التعاقد مع استشاري، واعتبرت أن تكليف الهيئة بإعداد دفتر الشروط لا يشكل، بحد ذاته، سندًا قانونيًا وماليًا واضحًا وصريحًا يضع الأموال اللازمة بتصرفها للتعاقد مع شركة استشارية خارجية لتنفيذ هذه المهمة. وبمعنى آخر، يثير هذا المسار تساؤلًا جديًا حول مصدر التمويل والأساس القانوني للصرف، خصوصًا أن قرار مجلس الوزراء لم يحدّد صراحة آلية تمويل هذه الخدمات الاستشارية.
كما تكشف كتب هيئة الشراء العام أن الإشكالية لا تقف عند حدود السند القانوني والمالي، بل تمتد أيضًا إلى مضمون دفتر الشروط نفسه. فقد سجّلت الهيئة سلسلة طويلة من الملاحظات، من بينها غموض في توصيف المشروع، وتناقض في بعض البنود، وملاحظات على معايير التقييم وتوزيع الأوزان وشروط التأهيل، بما قد يخلّ بقاعدة المساواة بين العارضين. وبحسب منصور، تكشف هذه الملاحظات عن نواقص جوهرية والتباسات بنيوية تطرح تساؤلات جدية حول سلامة إعداد دفتر الشروط، وحول مدى جاهزية الجهة التي أعدّته وكفاءتها في إعداد دفاتر شروط بهذا المستوى من الحساسية والتعقيد.
ولا ينفصل هذا الجدل عن نقاش أوسع حول اتجاه إصلاح قطاع الخليوي أصلًا. فبحسب المقاربة التي يطرحها منصور في ورقة السياسات التي أعدّها بالتعاون مع منظمة “سمكس” حول إصلاح حوكمة قطاع الخليوي، فإن المدخل الصحيح لأي شراكة مستقبلية مع القطاع الخاص لا يكون عبر إعادة إنتاج نموذج “الإدارة والتشغيل” الذي سبق اعتماده في القطاع، بل عبر إصلاح الحوكمة أولًا، وفصل الملكية العامة عن الإدارة التنفيذية، وتعزيز الشفافية والرقابة. وتنطلق هذه المقاربة من أن تحسين الحوكمة ورفع القيمة التشغيلية والمؤسسية للشركتين يجب أن يسبق أي نقاش لاحق حول إدخال شريك استراتيجي أو أي إعادة هيكلة أوسع. ويستند هذا الطرح أيضًا إلى كون نموذج الإدارة والتشغيل السابق كان قد أثار انتقادات واسعة، ووثّقت تقارير ديوان المحاسبة ما ارتبط به من هدر في المال العام وصرف نفوذ واختلالات تعاقدية.
في المقابل، تقول رئيسة الهيئة المنظمة، جيني الجميّل، في ردّها على انتقادات منصور على منصة “لينكدإن”، إنّ “العملية المطروحة لا تتعلق، بحد ذاتها، بتلزيم إدارة شركتي الخلوي، بل بشراء خدمات استشارية مستقلة لدعم إعداد إطار هذا التلزيم”.
غير أن هذا التوضيح لم ينهِ الجدل. فجوهر الاعتراض لا يتعلق فقط بكون العملية لا تزال في مرحلة استشارية، بل بالسؤال الأهم: هل ينسجم هذا المسار أصلًا مع السند القانوني الذي استند إليه قرار مجلس الوزراء، ومع طبيعة الدور الذي رسمه قانون الاتصالات للهيئة المنظمة؟ وهل يجيز تكليفها بإعداد دفتر الشروط أن تتحول إلى جهة متعاقدة مع استشاري لإعداد هذا الدفتر نفسه؟ ومن أي اعتماد مالي سيتم تمويل ذلك؟ وبينما لم تُحسم هذه الأسئلة بعد، يبدو أن ملف الخلوي أعاد فتح نقاش قديمًا حول الصلاحيات والحوكمة والمال العام في واحد من أكثر قطاعات الدولة حساسية وربحية.