إذا سبق أن تساءلتم كيف تعرف المنصات تماماً من أين أنتم، كأن تطلب منكم متابعة حسابٍ معيّن بعد مشاهدة فيديو شاركه شخصٌ على إحدى الصفحات، فغالباً ما يكون السبب هو متعقّبات الإعلانات.
ربّما صادفت رابطاً يبدو عادياً في البداية، ثم تلاحظ أنّه يستمرّ بهذا الشكل:
?utm_source=twitter&utm_medium=social&utm_campaign=spring_sale.
كلّ النص الإضافي بعد علامة الاستفهام “؟” هو متعقّب إعلاني.
لا تؤثر هذه المتعقّبات على الصفحة التي ينقلكم إليها الرابط، إذ تُفتح الصفحة بالطريقة نفسها سواء احتوى الرابط على هذه الإضافات أم لا. لكن أثناء قراءتكم للمقال، يرسل هذا النص القصير معلومات عن الشخص الذي ضغط على الرابط، ومن أين أتى، وكيف وصل إليه.
تُعرف هذه البيانات باسم ” مُعلّمات التتبّع” (tracking parameters)، وهي تُضاف إلى الروابط على مختلف صفحات الويب، من المقالات الإخبارية والمتاجر الإلكترونية إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الروابط التي يرسلها أصدقاؤكم.
وعندما تعيدون إرسال رابط يحتوي على أدوات تتبّع، فأنتم تعيدون أيضاً إرسال بيانات وصفية حول كيفية حصولكم عليه، مثل: رابط من نشرة بريدية قد يكشف الحملة التي وصلتكم، أو رابط تسوّق قد يتضمّن رموز إحالة (referral codes).
تستخدم شركة “ميتا” ومنصات تواصل اجتماعي أخرى متعقّبات الإعلانات وآليات مختلفة لتتبّع نشاط المستخدمين وتحقيق الأرباح من الإعلانات. وفي عام 2024، أطلقت “ميتا” ميزة جديدة باسم “سجل الروابط” (Link History)، تتيح للمستخدمين تتبّع الروابط التي زاروها عبر “فيسبوك”.
وقد انتقد الكثير من المدافعين عن الأمن السيبراني هذه الميزة، معتبرين أنّها تنتهك الخصوصية وتمنح “ميتا” أدوات إضافية لتعقّب المستخدمين وتحقيق الأرباح من الإعلانات.
كيف تعمل متعقّبات الإعلانات؟
عندما تضغطون على رابط يحتوي على متعقّب إعلاني، يرسل متصفّحكم عنوان الرابط كاملاً، بما في ذلك المعلّمات، إلى خادم الموقع الإلكتروني.
بعد ذلك، يسجّل الموقع هذه البيانات، ما يسمح لمالك الموقع بالإجابة عن أسئلة من قبيل: من أين أتى هذا الزائر (على سبيل المثال: “إنستغرام”)، وأي حملة أوصلته إلى هنا، وأي نسخة من الرابط تحقق أداءً أفضل.
ويمكن لكلّ صاحب موقع إنشاء حملات باستخدام روابط مختلفة مخصّصة لمنصات تواصل اجتماعي متعدّدة. وتتيح هذه الروابط تتبّع مصدر معظم زوار الموقع عبر تحديد الرابط الأكثر فعالية، أي الرابط الذي يحصل على أكبر عدد من النقرات.
ومن بين أكثر المعلّمات شيوعاً:
- “utm_source” ← يحدد مكان مشاركة الرابط (“تويتر”، نشرة بريدية، إلخ.)
- “utm_medium” ← يحدد نوع القناة (وسائل التواصل، البريد الإلكتروني، الإعلانات)
- “utm_campaign” ← يحدد اسم الحملة
- “ref” أو “referrer” ← يحدد الجهة التي شاركت الرابط
- “fbclid” أو “gclid” ← معرّفات تتبّع خاصة بمنصات مثل “فيسبوك” أو “إعلانات غوغل”
ما الأسباب وراء استخدام متعقّبات الإعلانات؟
من منظور تجاري، تعدّ متعقّبات الروابط أدوات مفيدة للغاية. فهي تساعد الشركات على قياس أداء الحملات التسويقية، وفهم سلوك الجمهور، وربط الزيارات والمبيعات بمصادرها بهدف تحسين الحملات وتسويق المنتجات بطريقة تستهدف فئات معيّنة من المشترين بدقة.
ومن دون هذه الأدوات، ستضطر الشركات إلى التخمين لمعرفة مصادر الزيارات، ولن تكون الإعلانات بالقدر نفسه من الدقة والتخصيص الذي نشهده اليوم.
مخاوف تتعلّق بالخصوصية
على الرغم من أنّ أدوات التتبّع ليست “سيئة” بطبيعتها، فإنّها تثير عدداً من المخاوف المرتبطة بالخصوصية عند مشاركة الروابط، سواء بالنسبة إلى المرسل أو المتلقّي.
تتضمّن بعض الروابط معرّفات يمكن من خلالها تحديد مستخدم معيّن أو جلسة استخدام معيّنة، ما يعني أنّ المتلقّي قد يعيد مشاركة بيانات تتبّع من دون علمه، وقد يصبح من الممكن التعرّف بصورة غير مباشرة إلى المرسل الأصلي أو إلى المنصة التي جاء منها الرابط.
لا يستطيع طرف خارجي معرفة هوية الشخص بدقّة من خلال الرابط وحده، لكن يمكنه استنتاجها عبر دمج تلك المعلومات مع بيانات أخرى متاحة. فقد يحتوي الرابط على معرّف (ID)، أو رمز تتبّع، أو وسم مرتبط بحملة إعلانية. ولا يكشف هذا الرمز بحدّ ذاته هوية الشخص، لكن المنصة أو أيّ جهة قادرة على الوصول إلى بيانات مرتبطة به يمكنها ربط هذا الرمز بحساب مستخدم، أو بريد إلكتروني، أو جلسة استخدام.
بالتالي، لا تكون الهوية ظاهرة بشكل مباشر، لكن يمكن استنتاجها أو تتبّعها من خلال معلومات إضافية.
كما أنّ الروابط التي تحتوي على أدوات تتبّع تكون غالباً فوضوية ومن الأصعب قراءتها أو الوثوق بها.
على سبيل المثال، يمكن المقارنة بين الرابطين التاليين: https://example.com/product وhttps://example.com/product?utm_source=newsletter&utm_medium=email&utm_campaign=sale2026&utm_content=button1.
أحدهما بسيط وواضح، بينما قد يبدو الآخر أكثر إثارة للريبة.
وعلى الرغم من أنّ معظم هذه المعلَمات غير ضارّة، فإنّ الروابط الطويلة أو المعقدة قد تبدو شبيهة بروابط التصيّد الاحتيالي (phishing)، ما يجعل المستخدمين أكثر تردداً في الضغط عليها.
المتلقّون معرّضون للخطر أيضاً
إذا ضغطتم على رابط يحتوي على أدوات تتبّع، فقد تساهمون من دون قصد في توفير البيانات التحليلية، أو قد تربط بحملة أو مصدر إحالة معيّن. وفي بعض الحالات، قد يُفعّل التتبّع عبر المواقع المختلفة (cross-site tracking)، ما يعني جمع بيانات التصفّح الخاصة بالمستخدم عبر مواقع متعددة وغير مرتبطة ببعضها، وغالباً ما تقوم بذلك شركات إعلانات أو وسطاء بيانات من أطراف ثالثة بهدف بناء ملفات تعريف مفصّلة تُستخدم في استهداف الإعلانات. ولا يكشف هذا الأمر عادةً الهوية الشخصية بشكل مباشر، لكنه يضيف المزيد من المعلومات إلى “البصمة الرقمية” الخاصة بالمستخدم.
وتستخدم الشركات هذه البصمة لتخصيص الإعلانات والمحتوى، وأحياناً حتى الأسعار. وعلى الرغم من أنّ كل عملية تعقّب قد تبدو صغيرة بحدّ ذاتها، فإنّ تنظيف الروابط يساعد في الحدّ من مشاركة البيانات غير الضرورية ويمنح المستخدم سيطرة أكبر على خصوصيته.
كيف يمكن مشاركة روابط نظيفة وخالية من أدوات التتبّع؟
إزالة متعقّبات الروابط عملية سهلة عموماً. كلّ ما عليكم فعله هو حذف الجزء الذي يأتي بعد علامة “؟”، والذي يُعرف باسم “سلسلة الاستعلام” (query string).
على سبيل المثال، فإنّ الرابط التالي يصبح:
https://example.com/article?utm_source=twitter&utm_medium=social https://example.com/article
إذا استمرت الصفحة بالعمل بشكل طبيعي بعد حذف هذا الجزء، فهذا يعني أنّ الرابط أصبح نظيفاً.
لكن ينبغي الانتباه إلى أنّ بعض المعلّمات ليست أدوات تتبّع.
فبعضها ضروري لعمل الصفحة، مثل:
- استعلامات البحث “?q=shoes”
- الفلاتر وخيارات التحديد: “?color=red&size=m”
- حالات الجلسة أو تسجيل الدخول (مثل حالة تسجيل الدخول أو الخروج وتوقيتهما)
- إذا أدّى حذف هذه المعلّمات إلى تعطّل الصفحة، فمن الأفضل إعادتها.
كما يمكن استخدام أدوات أو إضافات متصفّح تُزيل معلَّمات التتبّع تلقائياً، مثل “ClearURLs” و”Neat URL”، أو استخدام متصفّحات تركّز على الخصوصية مثل “Brave“، الذي ينظّف الروابط من متعقّبات الإعلانات تلقائياً.
ويُنصح أيضاً بالبحث عن أنماط التتبّع الشائعة، إذ يمكن غالباً حذف المعلَمات التالية بأمان: “utm” و”Fbclid” و”Gclid” و”Mc_eid” و”ref” و”ref_src”.
بالإضافة إلى ذلك، يمكنكم نسخ الرابط من شريط العنوان بعد تحميل الصفحة بالكامل، إذ تقوم بعض المواقع بتنظيف الرابط تلقائياً بعد الفتح. بالتالي، تستطيعون الضغط على الرابط، والانتظار حتى يتم تحميل الصفحة بالكامل، ثم نسخ الرابط مجدداً، وعندها يحتمل أن يكون قد أصبح خالياً من أدوات التتبّع.
وهناك قاعدة بسيطة يمكن اتباعها: إذا كان الرابط يعمل من دون الإضافات، فشاركوا النسخة النظيفة منه.
وعلى الرغم من أنّ متعقّبات الروابط أصبحت جزءاً طبيعياً من الإنترنت الحديث، خصوصاً في مجالات التسويق والتحليلات، فهذا لا يعني أنّه ينبغي إعادة إرسالها في كل مرة نشارك فيها رابطاً.
من خلال تكريس بضع ثوانٍ لتنظيف الرابط، يمكن التقليل من التتبّع غير الضروري، وجعل الروابط أوضح وأسهل للقراءة. قد تبدو هذه العادة بسيطة، لكنّ أثرها حقيقي وملموس!