في الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بمعاناة الحرب ومآسيها من نزوح وتهجير، مرّرت الحكومة اللبنانية قرار توسيع ترخيص خدمات “ستارلينك”، وذلك في جلستها يوم الخميس الواقعة في 5 آذار/مارس 2026. استندت الحكومة في قرارها إلى “الظروف الاستثنائية”، وعدّلت قراراً سابقاً لها، رقم 5 الصادر بتاريخ 11 أيلول/ سبتمبر 2025، والمتعلق بمنح الترخيص لشركة “ستارلينك – لبنان”، بحيث وسّعت الحكومة نفسها مروحة الجهات المستفيدة من خدمات “ستارلينك”، وتجاوزت المحاذير الأمنية التي كانت تشترط ولوج الأجهزة الأمنية للبنية الرقابية من ناحية أخرى.
توسيع نطاق المستفيدين وانتهاك الخصوصية
قرّرت الحكومة اللبنانية توسيع نطاق الترخيص المعطى لشركة “ستارلينك” – لبنان بحيث يات يُسمح لها بيع خدماتها للجهات الحكومية والسفارات والمنظمات غير الحكومية لأغراضها الرسمية والإنسانية، بعدما كان مقتصراً على الشركات التجارية سابقاً.
يكمن الخطر الجوهري في هذا التوسيع ضمن النقاط التالية:
- غموض التعاريف: غياب التعريف الدقيق لكل من “الجهات الحكومية” و”الأغراض الإنسانية”، مما يُبقي الفئات المشمولة مبهمة (سواء مؤسسات عامة، بلديات، أو هيئات مستقلة).
- تهديد مباشر للخصوصية: يُشكل هذا الغموض المرتبط بمصير بيانات المستخدمين، وعدم تحديد الجهة المخولة بتصنيف المنظمات، تهديداً مباشراً للحق في الخصوصية وحقوق الفئات التي تخدمها المنظمات غير الحكومية
- غطاء للمراقبة غير المشروعة: يمكن أن يُستخدم هذا الضباب في تسهيل مراقبة غير مشروعة أو استهداف سياسي تحت ستار “الأغراض الرسمية” أو “الأمن”، ما يُفرغ الاستثناء من مضمونه الحقوقي والإنساني.
تنازل عن الموافقة الأمنية أم السيادة الرقمية؟
يتمثّل أخطر جوانب قرار الحكومة في توسيع نطاق المستفيدين من خدمات “ستارلينك” في إعطائه الحق للشركة ببيع خدماتها من دون الحصول على الموافقات الأمنية، وقبل جهوز مركز التحكّم الأمني في قطر الذي لن يكون جاهزاً قبل أيار/مايو المقبل بالنظر للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، بحسب القرار. وأحال القرار الجديد مهمة أخذ موافقة الأجهزة الأمنية المختصّة وتحديد عدد الأجهزة التي ستستفيد منها الجهات المذكورة، إلى وزير الاتصالات.
على الرغم من أن القرار السابق كان قد ضرب مفهوم “السيادة الرقمية” بعرض الحائط عبر وضع مركز التحكم خارج البلاد، إلا أنه على الأقل راعى شرط ولوج الأجهزة الأمنية للبنية الرقابية.
أما اليوم فقد سُمح باستخدام الخدمة من دون وجود مركز تحكم أمني حتّى، ممّا يشكّل تفريغاً تاماً لضمانات المراقبة والحماية، وتنازل غير مسبوق عن بيانات المستخدمين، ويُطرح السؤال: إذا كان المركز شرطًا جوهريًا للحماية، فالسماح بالبدء قبله يُفرغ الشرط من مضمونه. وإذا لم يكن شرطًا جوهريًا، فلماذا يُستخدم كمبرر أو كضمانة؟
كما أنّ القرار الجديد لا يستوفي المعايير الدولية للحقوق الرقمية التي تتطلب أن تكون أي مراقبة أو وصول للبيانات “قانونية، وضرورية، ومتناسبة” في ظل غياب المركز الأمني والرقابة الفعلية.
تجاوز المسار القانوني والإداري
شمل القرار التفافاً واضحاً على الأطر الدستورية والإدارية لحماية حقوق المستخدمين، مثل تخطّي صلاحيات مجلس شورى الدولة والهيئة المنظمة للاتصالات، ومنح سلطات واسعة لوزير الاتصالات، مما يثير تساؤلات حول شرعية الإجراءات وشفافيتها.
- تجاوز مجلس شورى الدولة: أقرّ القرار صراحةً بأن تعديل الشروط يتطلب استشارة مجلس شورى الدولة، لكنه تجاوز ذلك عبر “حل انتقالي” (قرار مجلس الوزراء) يسمح بالبيع فوراً، على أن يتم تعديل الشروط “موازياً” لاحقاً. هذا الإجراء يُنشئ مفعولاً تنفيذياً قبل اكتمال المسار القانوني.
- سلطة فردية لوزير الاتصالات: تم إحالة مهمة أخذ موافقة الأجهزة الأمنية على تحديد سقف عدد الأجهزة التي ستستفيد منها الجهات المذكورة إلى وزير الاتصالات، وهو ما يُعتبر تفويضاً لسلطة أمنية-تنظيمية كان يجب أن تكون مُقننة ومُقيدة.
- تجاوز الهيئة المنظمة للاتصالات: يُشكل هذا التعديل تجاوزاً للمسار الإداري الذي كان ينبغي أن يُعتمد عبر الهيئة المنظمة للاتصالات، مما يفتح الباب أمام قرارات تعسفية لا تخضع للتدقيق الدستوري أو الإداري اللازم.
الإضعاف المتعمد للشبكة الوطنية وتعميق الفجوة الرقمية
توسيع المجال لصالح شبكات خارجية وفضائية، من دون دراسة جدوى حقيقية أو ربط بخطة طوارئ وطنية للاتصالات، يمثّل تهديداً اقتصادياً واجتماعياً خطيراً. فمن جهة، يعتبر ذلك بمثابة تهديد للفئات الأفقر لأنّ إضعاف الشبكة الوطنية لصالح شبكات فضائية سيؤدي إلى المزيد من التهميش للفئات التي لا تستطيع تحمل تكلفة خدمات “ستارلينك”.
وبالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية الناجمة عن انتقال عدد كبير من المستخدمين، فإنّ تهميش تنمية شبكة الإنترنت القائمة يُعمّق الفجوة الرقمية ويُشكّل انتهاكاً غير مباشر للحقّ في الوصول المتساوي للخدمات الأساسية.
يبدو أنّ قرار الحكومة اللبنانية لتوسيع نطاق المستفيدين من أجهزة “ستارلينك” والذي استغلّ الظروف الاستثنائية، تعبير عن أزمة مؤسساتية-حقوقية متكاملة. فهو يمثّل تنازلاً عن السيادة الرقمية، كما يُعرّض بيانات المواطنين للمخاطر الأمنية والقانونية والاجتماعية، في خطوة تقوّض ضمانات الرقابة والحماية وتتجاوز أسس دولة القانون.
قرار-رقم-11-تعديل-البند-ثانيا-من-قرار-مجلس-الوزراء-رقم-5-المتعلق-Starlink“مصدر الصورة: المؤسسة اللبنانية للإرسال “ال بي سي