المعلومات الخاطئة عن اللقاح: الشكّ مفتاح اليقين؟

قبل 200 عام، سادت موجة من التضليل الإعلامي والمجتمعي حول تلقي اللقاح المضاد لمرض الجدري الفتّاك. تعرض الطبيب إدوارد جينير أثناء محاولاته الطبية لتلقيح الناس ضدّ الجدري إلى النقد الشديد من المجتمع خصوصاً من رجال الدين الذين كانوا رافضين فكرة حقن البشر بمواد مستخرجة من بثور جدري البقر، لكن النتائج التي حققها اللقاح ضد الوباء كانت أصدق، وصولاً إلى “تحرّر العالم وجميع شعوبه من مرض الجدري” في العام 1980. 

وبعدما شهِد العالم خلال القرنين المنصرمين ثورات صناعية وتكنولوجية وأخرى رقمية، لم تحدث هذه الثورات تغييراً أساسياً على صعيد فهم الحقائق والتأكّد من صحة الخرافات لدى البعض، فظلّ البحث عن الحقيقة مهمة صعبة في ظل انتشار كمٍّ هائل من المعلومات في الفضاء الرقمي.

هذه الفوضى الحاصلة في نشر المعلومات المضلّلة عن فيروس كورونا، وتحديداً عن اللقاح، تُعَرّفها “منظمة الصحة العالمية” بـ“الوباء المعلوماتي”. تشترك المنظمة، بالإضافة إلى حملاتها الدعائية، مع منصّات التواصل مثل “فايسبوك” و”إنستغرام” سعياً لوقف انتشار المعلومات المغلوطة، بحيث تزوّد منصّات التواصل بالمعلومات للإجابة عن أسئلة الناس.  بعض المنصّات مثل “فايسبوك” يضع علامة على المعلومات المتعلّقة بالوباء، ويزعم حذف المعلومات الخاطئة حول اللقاح، ولكنّ “فايسبوك” تعرّضت لانتقادات شديدة بعد تسريب بيانات داخلية تكشف تفضيل الشركة للربح المادي على حساب سلامة المستخدمين/ات ومكافحة الأخبار الكاذبة.

ضدّ إلزامية اللقاح أم ضدّ اللقاح؟

من المجموعات التي تنشط على وسائل التواصل واستطاعت تنظيم تظاهرة “ضد إلزامية اللقاح”، مجموعة “الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان”. هذا الاتّحاد الذي يترأسه النقابي مارون الخولي، يُعرّف نفسه بأنّه “مجموعة نقابية مستقلة غير سياسية ومعارضة لسياسة الاتحاد العمالي العام” المعترف به رسمياً في لبنان، ولا رابط بينهما.

 رفعت المجموعة أثناء التظاهرة التي نظّمتها في وسط بيروت شهر كانون الثاني/يناير الماضي شعارات تقول “لا للتلاعب الجيني”، “ما خلقه الله لا يغيره الإنسان”. وبالرغم من كثرة الشعارات والتصريحات الغريبة التي برزت في المظاهرة، يعتبر الخولي أنّ “التظاهرة ليست ضد اللقاح بل لدعم حرية الاختيار وضدّ إلزامية اللقاح”، علماً أنّ لبنان لم يُلزم الأفراد قانوناً في تلقي اللقاح بل خَيرهم بين اللقاح وإجراء الفحوصات الدورية.

يرفض الخولي في حديث مع “سمكس” أن يندرج تحرّكه تحت إطار نشر معلومات مضللة حول اللقاح. ويعتبر أنّ التظاهرة لم تهدف إلى نشر أيّ أفكار أو تدعمها، “بل كان هدفها نقابياً ويتعلق بالحرية الشخصية للعاملين/ات في جميع القطاعات العامة في الدولة اللبنانية”. 

يتهّم الخولي الدولة بأنّها “مقَصرة في نشر المعلومات وفي التوضيح للناس حول هذه المعلومات الصحية، ما أفقدها ثقة المواطن”. ويضيف أنّ “اللوم لا يقع علينا ولسنا معنيين بإقناع الناس أو تخويفهم من اللقاح ولا في أمور طبية، بل نُعبر عن رأي آخر للناس لم تلتفت الدولة له”. ويعتقد الخولي أنّ الدولة “تضع الناس بين خيارين إما اللقاح أو الفحوصات التي أصبحت تُرهق الموظفين/ات في ظل الأزمة الاقتصادية”.

هذه الأزمة أثّرت حتّى على خدمة المحادثة الآلية (chatbot) التي أطلقتها وزارة الصحة اللبنانية في العام 2020 للردّ على رسائل الناس عبر “واتساب”. فقد توقّفت هذه الخدمة ولم يبقَ للمواطنين/ات سوى الانتظار طويلاً للتحدّث مع شخص على الخطّ الساخن.

التشكيك مفتاح اليقين؟

في حين يعتبر البعض أنّ مثل هذه التظاهرات تندرج تحت التأثّر بالأخبار الكاذبة ويدعون لحظرها عن وسائل التواصل، يؤمن آخرون بأنّ هذا من حرية التعبير. 

ومع ذلك، فإنّ “بين حرية التعبير ومحاربة التضليل خيط رفيع ليس إلّا”، وفقاً لمدقّق المعلومات والصحافي، محمود غزيّل. يؤكّد غزيّل أن حظر المحتوى وحجبه أو حذفه لا يكفي، وينبغي لجميع وسائل التواصل أن تكون “شفافّة أكثر وتنشر المزيد من التوضيحات عند المسّ بالآراء، وعند حذف فيديو أو أيّ منشور”.  ويضيف أنّ “على منصّات التواصل أن تُعلّل سبب الحذف وتوضحه، فلا يكفي أن تحدد أنّه خطأ وإنما ينبغي لها أن تصحّح وتشرح، وذلك كي لا تكون سياستها عشوائية مثلما يصف البعض سياسية فايسبوك”.

هذه العشوائية تؤدّي إلى انتشار الأخبار الكاذبة على “فايسبوك” وغيرها، يشرح غزيّل، “وذلك لأنّ الخوارزميات التي تعتبر المعلومات الصحيحة مملّة مقارنة بالمعلومات الكاذبة التي تُصنّف بأنّها جذّابة وتفاعلية”.

بمبادرة شخصية، يبقى غزيّل في حالة تأهّب إلكتروني ليبادر إلى تصحيح أي خبر مشكوك بصحّته من خلال التواصل مع مشارك الرسالة أو مع مصدرها الأول. وقد يصل الأمر في حالات خطرة الى إبلاغ إدارة “فايسبوك” التي تعمل على حذف المنشور أو توقيف الحساب في حال عدم تجاوب صاحبه/صاحبته. 

يعتقد غزيّل، في حديث مع “سمكس” أنّ “الجهد المبذول في لبنان لمحاربة التضليل في موضوع لقاح الكورونا غير كافٍ الى الآن، لأنّ أيّ شخص أو وسيلة على اختلافها لا يمكنها الوصول إلى كل الجماهير”. ويشرح أنّ “فئة الشخصيات السياسية والفنية الشريحة هي الأكثر جذباً للمضللين/ات والمشككين/ات على حد سواء”، فهذه الصفحات “تمتلك متابعين تفوق أعدادهم الملايين وهذا ما يلتفت إليه المدققون/ات أثناء محاربتهم/ن لهذا الكم الهائل من المعلومات”. أمّا المنشورات التي تحقّق بالمعلومات، فلكي تلقى رواجاً بين الناس، “يجب أن تكون تفاعلية أكثر من خلال نشر مواد مضحكة أو فيديوهات صادمة تساعد في ظهورها على نطاق أوسع”.

تضافر الجهود 

للوصول إلى فئة أكبر من الناس وكشف حقيقة المواد المتناقلة عبر الويب،  تعمد وسائل الإعلام التقليدية التي تحاكي فئات عمرية واجتماعية مختلفة إلى إطلاق برامج للتحقّق من المعلومات.

تُعِدّ الإعلامية في موقع “لبنان 24” ومقدمة الفترة الصباحية في “إذاعة لبنان”، زينب زعيتر، فقرةً في البث المباشر تحت عنوان “صح وغلط”. عملت زعيتر أن تكون هذه الفقرة ضمن البث المباشر “لتلقى تفاعلاً جماهيرياً عن طريق الاتّصالات والرسائل”. وتقول لـ”سمكس” إنّها تلعب دور الوسيط بين الجمهور والأخصائيين/ت والأطباء/الطبيبات لسدّ بعض الفجوات العلمية الناقصة لدى عامة الشعب”. يستقي البرنامج المعلومات من مركز أبحاث متخصص في “الجامعة الأميركية في بيروت” يتألّف من فريق باحثين/ات على رأسه رئيسة دائرة تعزيز الصحة والصحة المجتمعية في كلية العلوم الصحية، الدكتورة جهاد مخول، ثم يعيد نشرها ومناقشتها مع المتابعين/ات في فقرة صباحية القصيرة (15 دقيقة).

نشأت مبادرات إعلامية للتدقيق في صحة الأخبار والمعلومات في لبنان، مثل فقرة “مش دقيق” خلال نشرة أخبار قناة “الجديد” اللبنانية، وفقرة “بورصة الأخبار الكاذبة” في إذاعة “صوت لبنان”، وبرنامج “للتوضيح” على قناة “إل بي سي”، ومشروع “صح” من “مؤسسة مهارات”. وعربياً تنشط “وكالة فرانس برس” (AFP) مع مبادرتها “في ميزان فرانس برس”

كما أطلقت مبادرات من المؤسسات المدنية لمكافحة الأخبار الكاذبة والتحقّق منها، مثل مبادرة “اليونيسيف” لنشر معلومات علمية حول فيروس كورونا عبر الرسائل النصية القصيرة (SMS)، ومبادرة “الفاحص” من شبكة “إنسم” (INSM)، ومبادرة “التقنية من أجل السلام” (Tech 4 peace) لتقديم تقارير عن الأخبار الكاذبة في العراق، ومنصّة “فتبينوا” في الأردن ومنصّة “تَأكّد” في سوريا.

وعلى صعيد المنطقة، تعرب “سمكس” عن استعدادها للمساعدة في التحقّق من المعلومات المنتشرة عن اللقاح المضاد لكورونا عن طريق التواصل معنا عبر أيّ حساب من حساباتنا على منصّات التواصل، أو عن طريق التواصل مع “منصة دعم السلامة الرقمية” عبر البريد (helpdesk@smex.org) أو عبر “واتساب”/ سيغنال (0096181633133).

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة

مها بيضون

صحافية ومحررة مستقلة تركّز على العلوم الاجتماعية والتكنولوجيا.