ما إن وصل فيروس كوفيد-19 (المعروف محلياً باسم فيروس كورونا) إلى لبنان في شباط/فبراير الماضي، حتّى تعزّز الانقسام داخل بعض المدن والقرى مع وسم مجتمعاتها بأنّها بؤر لتفشي كوفيد-19، أو اعتبار سكانها محظوظين بمناعة جينيّة و/أو طبقيّة ضد الفيروس.

يعود ذلك في جزء كبير منه إلى انتشار الأخبار المغلوطة و/أو المزيّفة حول طبيعة الفيروس وطرق التعرّض إليه، وكذلك حول وجود مؤامرات خفية. ومع ذلك، ثمّة مسؤولية تجاه نشر المعلومات وتصحيحها وترشيدها، وهي تقع بالتساوي على عاتق الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية.

صدمة الكارثة وفوضى البيانات

أصبح يوم 21 شباط/فبراير نقطة تحوّل لجميع سكان لبنان بعد أن كشف وزير الصحة اللبناني في حكومة تصريف الأعمال، حسن حمد، عن تسجيل أول إصابة بفيروس كوفيد-19. إلا أنّ غياب التنظيم الإعلامي للتعامل مع هذه الجائحة ساهم في تعزيز انتشار الأخبار غير الصحيحة المتعلقة بالفيروس، لا بل ساهم في استغلال الأمر للتصويب السياسي بدلاً من العمل على توحيد الجهود.

واحدة من المشاكل الكبرى بما يخص الأخبار المغلوطة عن كوفيد-19 في لبنان نتجت عن تشرذم الأرقام التي صدرت عن بعض المراكز الصحية التي حاولت أن تستغلها بسياق دعائي على أنها الأكثر كفاءة بالتعامل مع الفيروس، إلى جانب صدور أكثر من تقرير من أكثر من مصدر رسمي حول عدد المصابين خلال اليوم الواحد، الأمر الذي أشاع بلبلة وتشكيكاً شعبياً بما يصدر عن وزارة الصحة. ولذلك، حاولت الوزارات توحيد صفة “الناطق الرسمي”، وهذه أبرز المحاولات:

الضلال الإعلامي

ساهم تقاعس الجهات الرسمية والمعنية في شيوع الأخبار المغلوطة وتفاعل المستخدمين مع المعلومات التي تصلهم عبر منصات وتطبيقات التواصل، والتي قد يكون الكثير منها مغلوطاً، على أنّها معلومات صحيحة ومقنعة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأشخاص الذين لا يدركون كيف ينتقل فيروس كوفيد-19 سوف يظنون أنّ الأخبار المغلوطة التي يسمعونها عن الفيروس هي حقيقية أو أنّها مؤامرات من دول أجنبية، قريبة أو بعيدة، للتحكم بهم.

على الرغم من المبادرات المذكورة آنفاً، لم يقف الضياع عند حد الالتباس في الأرقام الصادرة عن الجهات الصحية، إذ اتّخذت مشكلة الأخبار المغلوطة منحى تصاعدياً عندما لجأت وسائل الإعلام “التقليدية” إلى استضافة أشخاص غير متخصصين للتحدث عن موضوع كوفيد-19 الطبي والحساس صحياً، ما ساهم في تضخيم فبركات عن كيفية انتشار الفيروس، مثل “أكاذيب منظمة الصحة العالمية عن كوفيد-19″ أو “مخططات للقضاء على شعوب دول أخرى”. حتى أنّ بعض المطبوعات في لبنان ذهبت إلى حدّ نشر نصوص لا أساس لها من الصحة على صفحاتها الأولى، مدّعية أنّها أخبار حقيقية، وكلّ ذلك من دون أيّ ضوابط أو ردود فعل من قبل وزارتي الإعلام والصحة أو أي جهة رسمية في الدولة اللبنانية.

ما ساهم كذلك في توسيع نطاق المعلومات غير الصحيحة، نشر معلومات تشكك بخطورة كورونا وخطورته من قبل أشخاص مؤثّرين/ات على وسائل التواصل وآخرين لهم مكانة معروفة ويتابعهم ملايين المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي، من بينهم إعلاميون وفنانون وسياسيون. وقد ذهب البعض إلى الإفصاح عن ريبتهم بشأن ضرورة ارتداء الكمامات، معلنين حتّى رفضهم الخضوع لفحوصات أو قبول اللقاحات عند توافرها تحت عناوين متنوعة مرتبطة بنظريات مؤامرة غير واقعيّة.

المسؤولية الإعلامية

أتاحت وسائل التواصل للجميع فرصة التعبير والنشر مهما كانت خلفياتهم، ولذلك أصبح جزء كبير من المسؤولية يقع على عاتق كلّ فرد في تطوير مراجعه العلمية واختيار المواد والتعابير الأنسب لنشرها عبر منصات التواصل، خصوصاً إذا كانت تتعلّق بمصير الناس وحياتهم.

يقول الباحث المصري في تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي، أحمد عصمت، لـ”سمكس”، إنّ “الأمر قد يقفز فوق الفجوات المعرفية ويتعدّاها إلى حدّ الجهل التام أو تسطيح المواضيع المطروحة للنقاش من قبل بعض الصحافيين والمؤثرين عبر منابرهم المهنية و/أو الخاصة”. ولهذا تصبح مسؤولية العاملين والعاملات في المجال الإعلامي مسؤولية مضاعفة، خصوصاً وأنّ اسم الفرد العامل في هذا المجال يربطه القرّاء والمتابعون بشكل أو بآخر بالمؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها.

ولذلك تنصح بعض الدراسات التي تناولت الواقع الإعلامي والتغطية الإعلامية في لبنان بضرورة “تدريب الصحافيين على أمور مثل كيفية إعداد التقارير البنّاءة التي تعرض المشكلة وتبحث في حلول لها بدلاً من الاكتفاء بالتحذير السلبي وحسب”.

ولكنّ “المسؤولية لا تقع على عاتق الإعلاميين كأفراد وحسب، بل كذلك على مؤسّساتهم التي يغفل عدد كبير منها عن أهمية إطلاع موظفيها ومقدّمي برامجها و حتى صحفييها بمواضيع الساعة”، حسبما يقول لـ”سمكس” المنسق الإعلامي لـ”مؤسسة سمير قصير”، جاد شحرور.هذا التغافل وصل أحياناً إلى إجبار بعض المؤسّسات الإعلامية لمراسليهم ومراسلاتهن على شراء الكمامات أو الأقنعة من مصروفهم الخاص للوقاية من فيروس كوفيد-19 خلال عملهم الميداني بدلاً من توفيرها من قبل المؤسسة نفسها، حسبما ألمح شحرور.

الأجهزة الرسمية مسؤولة أيضاً

تساهم شفافية الأجهزة الرسمية تجاه المعلومات التي تقدمها للرأي العام في الحدّ من انتشار المعلومات المغلوطة. ولذلك، ينبغي أن تكون هناك “آلية واضحة وسريعة للتصحيح بمستوى يقارب مستوى خطورة المعلومة المتداولة، على أن تكون آلية ذكية تستطيع إيصال التصحيح لمختلف المستويات الثقافية وجميع الأجيال”، حسبما يشرح عصمت.

وفي الملف القانوني، يؤكّد الباحث في تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي على ضرورة أن “تكون القوانين المرعية والأجهزة المعنية خاضعة للمراجعة في كلّ فترة زمينة، بخاصة وسط التطور التكنولوجي السريع”.

أمّا في لبنان، فبدلاً من العمل على تطوير القوانين فإنّنا نشهد صراعاً بين “المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع”، وهو مجلس استشاري لا يزال يعمل وفق قوانين وضعت منذ نحو 26 عاماً أي قبل عصر انتشار الإنترنت، ووزارة الإعلام، من أجل السيطرة على عمل المواقع الإلكترونيّة الإخباريّة، وفقاً لشحرور.

لا ينفي المنسق الإعلامي لـ”مركز سمير قصير” ضرورة ملاحقة الجهات التي تساهم في نشر “الخلل المعلوماتي” عبر الإعلام والانترنت، ولاسيما بمواضيع دقيقة مثل فيروس كوفيد-19، غير أنّه يؤكد أنّ “الصحافة الحرة المسؤولة تنقذ الأرواح”. أمّا في حال تم الإخلال بالعمل الصحافي الصحيح، فعلى الجهات الرسمية أن تحاسب ناشري الأخبار المغلوطة. ويؤكّد شحرور أنّ “الملاحقة ينبغي أن لا تجري كما يحصل اليوم مع المؤسسات الإعلامية في لبنان، حيث تطالها دعاوى قضائية مسيسة أو قرارات سحب “العلم والخبر” التي باتت أشبه بقمع ممنهج، بل عن طريق إصدار تقارير دورية توضح الأخطاء التي وقع فيها الإعلاميون والوسائل الإعلامية، ونشر تصحيح لتلك المعلومات الواردة، والإشارة إلى المخاطر نتجت عن هذا الخلل المعلوماتي”.

من جهة ثانية، يؤكّد عصمت على أهمية “مدونة لقواعد السلوك” التي تتبعها كبرى المؤسسات الإعلامية خارج المنطقة، والتي تحتوي على النقاط الأساسية التي يفترض على العاملين في وسائل الإعلام اتباعها وليس إدارات تلك الوسائل فقط. وجود مثل هذه القواعد تساهم في التخفيف من انتشار الأخبار المغلوطة عبر الانترنت، كما تخفف من ربط الناس لتلك المعلومات وصحّتها بالصحافي الذي نشرها خصوصاً إذا كان يعمل في مؤسّسة معروفة، يختم عصمت.

الصورة الرئيسية: شرطي سير بجانب باص يحمل مسافرين بعد وصولهم إلى مطار رفيق الحريري في بيروت، لبنان (أ ب)