قطع الإنترنت في السودان: القمع كأداة لمواجهة مشاكل النظام التعليمي [رأي]

سُجّلت أول حالة تسريب لامتحانات الشهادة السودانية في عام 2003، حيث كانت خدمة الهواتف النقالة وإمكانياتها محدودة من دون إنترنت ولا كاميرا. ومع ذلك، سُرّبت الامتحانات وتناقلها الطلاب عن طريق النسخ الورقية لاستخدامها لاحقاً على أوراق مصغّرة، حتّى أُلغِي الامتحان وأجري بعد 3 أشهر.

تضعنا تلك الحادثة أمام  تساؤلات حول سبب قطع خدمة الإنترنت في العام 2021 بالتزامن مع امتحانات الثانوية العامة. هل تكمن المشكلة في التسريب نفسه؟ أم هل تخاف السلطات من سرعة انتشار المادة المسربة عبر الإنترنت، علماً أنّ الامتحانات تُطبع في ظلّ وجود أمني مكثف وتوزع بإشراف مباشر من الشرطة؟ ولذلك، يصبح من البديهي أن نسأل أين يحصل التسريب ومتى؟ 

وفي غرفة الامتحان، هل تواجه السلطات صعوبةً في حماية الطلاب أمنياً وحماية امتحاناتهم، وهل ينقصها الخبرات والأدوات اللازمة لاستكمال امتحانات الشهادة السودانية؟

ألقت ثورة ديسمبر/كانون الأول بظلالها علي السودان وذهبت بنظام الرئيس السابق عمر البشير إلى مصيره، فتنفّسنا الصعداء واستبشرنا بالحرية. ولكن، ما لبث الحكّام الجدد أن قطعوا الإنترنت جزئياً وفضّوا اعتصام القيادة العامة، قبل أن يقطعوا الإنترنت بصورة كاملة. وبعد ذلك، استقرّت البلاد بحكومة انتقالية مشتركة بين المدنيين والقوات المسلحة، ثمّ حين جاء وقت امتحانات الشهادة العامة السودانية، نفاجأ بقطع خدمة الإنترنت بحجة “منع تسريب الامتحانات”. وهذا يعني أنّ الحكومة لا تحترم الوثيقة الدستورية التي تشدّد المادة 2 من الفقرة 56 فيها على “حقّ الوصول للإنترنت من دون المساس بالنظام والسلامة والأخلاق العامة وفقا لما يحدده القانون”.

أضرار مباشرة وغير مباشرة

كانت أوراق الامتحانات تتداول عبر تطبيقَي “واتساب” و”ماسنجر”، فارتأت الحكومة أنّ الحلّ يكمن في وقف خدمة الإنترنت لساعات خلال اليوم، وكأنّه اعتراف بعدم قدرة الجهات المنفّذة على تطبيق مواد الوثيقة الدستورية وتحميل المواطن عبئاً أكبر على عاتقه في ظروف اقتصادية سيئة. 

يؤدّي قطع خدمة الإنترنت إلى إلحاق الضرر بالقطاعات الخاصّة والعامة، مثل عمليات التحويل البنكية وشركات النقل الخاصة التي يعمل فيها الكثير من الموظفين بسياراتهم/ن من أجل كسب بعض المال الإضافي، وشركات التصميم والتسويق الشبكي. 

من جهة ثانية، يقول محمد عبدالله، وهو صاحب شركة خدمات تمتلك تطبيقاً طبياً لمساعدة المرضى في الوصول إلى أقرب مستشفى، في حديث لـ”سمكس”، إنّ “الطلبات التي تصل إلى التطبيق يومياً يصل معظمها في الفترة الصباحية، وحين يُقطع الإنترنت لا يبقى سوى الاتصال الهاتفي، وسيكون على المستخدمين/ات الانتظار لفترة طويلة، وسنكون بدورنا قد خسرنا حوالي 20% من العملاء الذين يريدون طلب إسعاف أو حجز موعدٍ لدى الطبيب”.

تضيف هبة أحمد، وهي صاحبة شركة مطبوعات ولوحات إعلانية، إنّ قطع الإنترنت يضيف فوق معاناة قطع الكهرباء معاناة أخرى. وتشرح لـ”سمكس” أنّ “سوء الخدمة هذه في القطاعين يخسرنا الكثير من العملاء والأموال بما يصل إلى 300 ألف جنيه سوداني (نحو 660 دولار أميركي) خلال 3 ساعات، ناهيك عن الخسارة التي تطال عمال اليومية، بالإضافة إلى توقّف المعدّات التي يحتاج معظمها إلى الوايفاي”.

توصيات بديلة عن قطع الإنترنت

بدأت امتحانات الثانوية العامة السودانية في 19 حزيران/يونيو وانتهت في 31 من الشهر نفسه، وبالتزامن مع هذه الامتحانات كانت خدمات الإنترنت تُقطع من الساعة 8 صباحاً وحتى 11 صباحاً وفقاً لتوجيهات “جهاز تنظيم الاتصالات”. يُشار إلى أنّه قبل أسابيع، سُرّب امتحان الدراسات الإسلامية عن طريق خطأ في توزيع المادة على الممتحنين/ات وأعيد الامتحان يوم السبت 3 تموز/يوليو. 

وفي غضون ذلك لا بدّ للسلطات التي لا تتوانى عن حماية منسوبيها بالسيارات المصفّحة والسلاح أن تمتنع عن قطع الإنترنت وأن تحمي مستقبل الشباب واقتصاد البلاد بدلاً من قطع الإنترنت. 

على سبيل المثال، يمكن للمعنيين استخدام أجهزة لفصل الشبكة في منطقة جغرافية محدّدة، أي في المدارس، وفي الوقت نفسه يمكنهم تشديد حراسة مطابع الامتحانات لمنع تسريب الامتحانات من هذه المطابع. ويقترح مهندس الاتصالات، وضّاح عثمان، لـ”سمكس”، أن “تُفصَل الشبكة جزئياً في مكان وجود المدرسة فقط، فلا سبب يبرّر فصل الخدمة عن الدولة بكاملها والتسبب بخسائر كبيرة”. ويقترح ذلك أن يُمنَع الطلّاب من اصطحاب الهواتف إلى قاعات الامتحانات وتسليمهم إياها بعد الانتهاء من الامتحان.

يلجأ عدد من البلدان في المنطقة الناطقة باللغة العربية إلى قطع الإنترنت في مناسبات مختلفة، ومنها الامتحانات العامة. نطالب الحكومات بالكف عن قطع الإنترنت ومكافحة الفساد مباشرة في القطاع التعليمي بدلاً من التعتيم. فقطع الإنترنت يكبّد الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة، كما يحدّ التعتيم من حرية التعبير ويسمح للقوات الحكومية بانتهاك حقوق الإنسان في ظلّ تغييب الأدلّة والتسجيلات التي توثّق ذلك.

استخدموا هاشتاغات #لا_لقطع_الاتصالات #NoExamShutdown للإبلاغ عن حالات قطع الإنترنت ومناقشتها، ولمطالبة الحكومات بالامتناع عن قطع الاتصالات لأنّها حقّ من حقوق الإنسان.

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة

محمد جميل

محمد جميل، متخصص في الحماية الرقمية والتسويق وصانع محتوي على وسائل الإعلام الاجتماعي. وهو كذلك ناشط في مجال حقوق الإنسان ومهتم بالموسيقي والتكنولوجيا والأمن الرقمي.