العمل عبر الإنترنت في فلسطين يزدهر برغم أشواك الاحتلال

 انهمكت رولا عابدين (22 عاماً) من مدينة غزة في وضع مجموعة من الاكسسوارات والقطع الخشبية يدوية الصنع، بعناية، في صناديق من الكرتون، استعداداً للمشاركة في معرضٍ للصناعات اليدوية في المدينة قبل عدة أيام. 

مثلها مثل الكثير من شباب غزة وفلسطين عموماً، كان من الصعب على عابدين العثور على عمل بعد التخرّج، في ظلّ ارتفاع نسب البطالة في القطاع (47%) والضفة (16%) نتيجة الأوضاع الاقتصادية في فلسطين والحصار الإسرائيلي على غزة، وإغلاق معابر القطاع. وجدت عابدين في منصات التواصل فرصة للعمل من خلال متجرها “كيوي” (Kiwi) لبيع المشغولات اليدوية والاكسسوارات والخشبيات الخاصة بالأعياد الإسلامية والمسيحية. ومع ذلك، “نعاني من شحّ في المواد الأولية وصعوبة في توصيل البضائع وتحويل الأموال بسبب الحصار، وإغلاق المعابر بين الحين والآخر، ما يعيق تطوير أي عمل”، كما تقول لـ”سمكس”.

فرص رقمية

على بعد أكثر من 130 كيلومتراً من قطاع غزة، ينشر مدحت العطعوط (28 عاماً)، من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية صوراً جديدة لقطع الصابون النابلسي يدوي الصنع بألوانه الزاهية ورائحته الفواحة، ويردّ على طلبات ورسائل الزبائن عبر موقعه الإلكتروني.

بعد سنوات من البحث المضني عن وظيفة دائمة، قرّر  العطعوط الذي تخرّج من كلية إدارة الأعمال، اللجوء إلى بدائل وفرها التطور الهائل في التكنولوجيا. ويقول لـ”سمكس”: “قررت قبل ستة أشهر أن ألجأ إلى منصات التواصل لتطوير مشغل والدي الصغير الخاص بصناعة الصابون النابلسي الشهير، من خلال التسويق للصابون عبر إنستغرام وفيسبوك، إضافة إلى إنشاء موقع إلكتروني خاص بالمشغل”. مشروع العطعوط “لافيدا” (La Vida) الذي يعني الحياة بالإسبانية “يواجه عدة تحديات، من بينها صعوبة إقناع الناس بجودة المنتجات والبيع عبر الإنترنت والحصول على ثقتهم، بالإضافة إلى ضعف المداخيل”.

ولكن حتى لو كان العائد المادي ضئيلاً جداً، تصرّ الطالبة الجامعية غادة أبو سمرة (22 عاماً) من مدينة غزة، على الاستمرار ومواجهة الواقع في ظل الظروف المعيشية الصعبة. وبينما تضيف لمساتها على الشموع الملوّنة التي طلبها زبائن متجرها “محيط وأمواج” (Ocean and Waves) على “إنستغرام” و”فيسبوك”، تشرح لـ”سمكس” أنّ “العمل والتسويق عبر الإنترنت يحتاجان إلى الصبر وهما متاحان للجميع برغم اشتداد المنافسة والصعوبات في السنوات الأخيرة”.

ترابط رقمي يقمعه الاحتلال الإسرائيلي

يستخدم الإنترنت في فلسطين “3.7 ملايين مواطن، والعام 2021 شهد وحده زيادة في عدد المستخدمين بنحو 100 ألف مواطن”، حسبما أكّد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، في فعالية “فلسطين الرقمية”، في 24 آذار/مارس الماضي.

انتشار الإنترنت في فلسطين “شجّع الكثيرين على تعلمّ تقنيات العمل عن بعد والتسويق الإلكتروني، وأصبح الكثير من الشباب في غزة ممّن يحترفون التصميم والترجمة والبرمجة يقدّمون خدماتهم للخارج وكذلك لمواطنيهم في الضفة”، كما يقول الصحفي والمدرب في التسويق الإلكتروني صدقي أبو ضهير (44 عاماً)، من مدينة نابلس، في حديثٍ لـ”سمكس”. ولكن دون ذلك تحديات وصعوبات جمّة، مثل “غياب وحظر منصات تحويل الأموال، وارتفاع تكاليف الشحن والنقل والضرائب والجمارك على البضائع المستوردة، بالإضافة إلى صعوبة نقلها بين المدن الفلسطينية لا سيما بين الضفة والقطاع”.

مصدر رفيع في هيئة حكومية فلسطينية مسؤولة عن دخول وخروج البضائع من قطاع غزة، فضّل عدم الكشف عن هويته، يكشف لـ”سمكس” إلى أنّ “البضائع تمرّ عبر معبر كرم أبو سالم الذي يعتبر المعبر التجاري التجاري الوحيد في القطاع”. ولكنّ سلطات الاحتلال “تسمح بدخول وخروج أنواع محدودة من البضائع مثل الملابس والطرود الورقية (المظاريف) من قطاع غزة إلى الضفة الغربية والقدس وبالعكس، استثنائياً، عبر حاجز بيت حانون (إيرز) المخصص للأفراد، الذي يفصل قطاع غزة عن أراضي فلسطين التاريخية”.

ولذلك، يلجأ معظم أصحاب المتاجر الإلكترونية إلى استخدام نظام الدفع النقدي عند الاستلام، عن طريق شركات التوصيل أو سيارات الأجرة، وإما الدفع عن طريق الحوالات البنكية التي لا يفضلها العملاء غالباً نظراً للعمولات المفروضة عليها من البنوك.

كلّ هذه التحدّيات لا توازي تحكّم الاحتلال بالبنية التحتية المعلوماتية والتكنولوجية لفلسطين، وتقييد الحصول على المعدات الأساسية بحجج أمنية، وانتهاك للحقوق الرقمية بالرقابة والتعدي على الخصوصية والتعقّب بمختلف أشكاله، التجسّس، وطمس المحتوى الفلسطيني، ومحاولة تقليص مساحة التعبير أمام الفلسطينيين.                    

تؤكّد الخبيرة في الرقمنة والحقوق الرقمية، ليندا سفاريني، من مدينة رام الله، أنّ “الاحتلال  الإسرائيلي يسيطرعلى البنية التحتية للاتصالات الفلسطينية، وفي وقتٍ يستخدم فيه العالم الجيل الخامس للإنترنت، (ويتجه نحو الجيل السادس في عام 2023)، سمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين باستخدام الجيل الثالث في الضفة الغربية، والجيل الثاني في قطاع غزة كأحدث تقنية حتى الآن”. 

وتضيف سفاريني أنّ “الهيمنة الإسرائيلية على كل قطاعات الحياة، توسعت لتشمل الفضاء الرقمي في فلسطين، وتتحكم في كل ما يخص الرقمنة من منصات ومواقع وتطبيقات وغيرها عبر الانترنت”.

“باي بال” في خدمة الاحتلال

يواجه العاملون عبر الإنترنت في فلسطين “قيوداً كبيرة فرضها الاحتلال الإسرائيلي وحتى السلطة الفلسطينية وجهات خارجية، على التحويلات المالية بحجج وادّعاءات أمنية”، حسبما يؤكّد أبو ضهير. في المقابل، تمتنع بعض منصّات التكنولوجيا المالية عن تقديم خدماتها للفلسطينيين حصراً مع أنّها تتيحها للمستوطنين، مثل “باي بال” (PayPal)

تساهم هذه الشركة الأميركية “في سياسات الاحتلال التمييزية بطبيعتها، مما يزيد من تفاقم أثاره المدمرة على الفلسطينيين واقتصادهم”، وفقاً لمنظمة “حملة” (7amleh) للحقوق الرقمية في فلسطين. على سبيل المثال، أدّى “استبعاد باي بال التمييزي للفلسطينيين إلى تقليص أعمال العديد من العاملين المستقلّين عبر الإنترنت، وروّاد الأعمال، والشركات الفلسطينية”.

وفي أحيان كثيرة، يصبح لجوء الفلسطينيين إلى بدائل أخرى غير مجدٍ بحسب تقرير “حملة”، لأنّ “شركات الدفع الأخرى تكون تابعة لباي بال غالباً، وبالتالي لديها السياسة التمييزية نفسها في فلسطين، أو تكون شركات منافسة ولكنّها لا تهتمّ بالعمل في فلسطين”.

لذلك، يلجأ كثيرون إلى مقدمي الخدمات النقدية الآخرين مثل “ويسترن يونيون” (Western Union) أو “موني غرام” (MoneyGram) المتوفرين في فلسطين”، كحال المهندسة الفلسطينية فدوى كساب (26 عاماً) التي تعمل بدوام حرّ عبر الإنترنت من قطاع غزة. ولكن، ثمّة “قيوداً على المبالغ المحولة إلى القطاع والتي تفوق الألفي دولار أميركي”، كما تؤكّد كساب لـ”سمكس”، مشيرة إلى أنّها تفضّل تقاضي مبالغ أقلّ من ذلك. “وفي حال تلقيت أكثر من حوالة مالية صغيرة “يمكن أن يُجمّد حسابي، أو قد أخسر الكثير بسبب الرسوم التي قد تفوق المبالغ أحياناً”.

وفي إطار التحول الرقمي وتقديم حلول جزئية من قبل بنوك وشركات فلسطينية، أطلق بنك فلسطين خدمة “بال باي” (PalPay) للدفع الرقمي، فيما أطلقت شركة الاتصالات الخلوية الفلسطينية جوال خدمة “جوال باي” (Jawwal Pay) الرقمية. مكّنت هذه الخدمات “المستخدمين من شراء المنتجات والخدمات وبيعها بسهولة عبر الإنترنت في الضفة الغربية وقطاع غزة”، وفقاً لمركز “حملة”، ولكنّها “ليست حلاً فعالاً لمشكلات التحويلات المالية، لأنّها تعمل فقط في فلسطين ولا يمكن للمستخدمين أو العملاء تبادل النقود بينهم أو مع أصحاب العمل في أي مكان آخر”.

برغم كلّ ذلك، يرى أبو ضهير في العمل الحر عبر الإنترنت وتعلّم المهارات فرصة لا بدّ من استغلالها مهما كانت الظروف.

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة

ريما عبدالرحمن

ريما عبد الرحمن، خريجة كلية القانون والممارسة القضائية من قطاع غزة. تعمل كمحامية متمرّنة وتركّز على حقوق الإنسان والممارسات القضائية والقانونية.