الوصول إلى الإنترنت في السودان أهمّ من أيّ وقت مضى

عاد الإنترنت جزئياً إلى السودان بعد قطعه لأكثر من 20 يوماً على إثر الانقلاب العسكري الذي نفذه المجلس العسكري في 25 تشرين الأول/أكتوبر. ومع ذلك، بقيت بعض التطبيقات مثل “واتساب” و”تلغرام” محظورة على بعض الشبكات السودانية.

وكان يوم “مليونية 17 نوفمبر” قد شهد تعتيماً شاملاً للإنترنت وجميع  الاتصالات، وسط أنباء عن مقتل نحو 15 مدنياً وسقوط عشرات الجرحى، بحسب “تجمع المهنيين السودانيين” الذي لعب دوراً بارزاً في ثورة 2019 ضد حكم الرئيس السابق عمر البشير. ودعا “تجمع المهنيين السودانيين”، في مساء 17 تشرين الثاني/نوفمبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية إلى نقل وقائع المظاهرات والاحتجاجات على “#انقلاب25أكتوبر” في #السودان لكسر التعتيم الذي يفرضه المجلس العسكري على الإنترنت والاتصالات، وذلك من “أجل بثّ الشائعات والتغطية على العنف الممارس من قبل العسكر”، بحسب أحد مصادر “سمكس” في السودان.

وقبل أيام، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، أصدرت “محكمة الخرطوم الجزئية”، أمس، أمراً بالقبض على المديرين التنفيذيين لشركات الاتصال في السودان، إلى حين إعادتهم خدمة الإنترنت المقطوعة منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر، لكافة المشتركين. ولعلّ هذا ما يفسّر عودة الإنترنت والاتّصالات جزئياً إلى السودان، وفقاً لأحد مصادر “سمكس” في البلاد. وتشير مصادر أخرى إلى أنّ الوصول إلى منصّات التواصل بطيء جدّاً ولا يمكن الوصول إليها بسهولة إلّا عن طريق استخدام تطبيقات “الشبكات الافتراضية الخاصة” (VPN).

نتيجة فحص إمكانية الوصول إلى تطبيق واتساب باستخدام “أوني بروب”، يوم 19 تشرين لاثاني/نوفمبر 2021.

ماذا يحصل منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر؟

في 25 تشرين الأول/أكتوبر أعلن القائد العام للقوات المسلحة في السودان، عبد الفتاح البرهان، حلّ مجلس الوزراء ومجلس السيادة وفرض حالة الطوارئ، فيما اعتُبر انقلاباً على الحكم المدني في البلاد بعد عدّة محاولات انقلاب سابقة. وبالطبع، كان الإنترنت والاتّصالات أول ما يُجحَب.

على إثر ” ثورة ديسمبر” التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر عام 2018 وأطاحت بالنظام الذي حكم البلاد لنحو 30 عاماً، تقاسم السلطة في السودان العسكريون والمدنيون بحيث يكون المجلس السيادي مجلساً شرفياً فيما يعمل المدنيون والممثلون في الحكومة على صعد العلاقات الخارجية وحل الأزمات الداخلية من اقتصاد وغيرها. وهي صيغة اعتُمدت في السودان بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، قبل أن يتعمّق الخلاف بين المكوّنين العسكري والمدني.

اعتادت السلطات السودانية اللجوء إلى قطع الإنترنت في كلّ حدث وطني، خصوصاً التظاهرات، قبل أن تنضمّ  في عام 2020 إلى نادي الدول التي تقطع الإنترنت بحجّة “مكافحة الغشّ والتزوير في الامتحانات”. فمنذ تظاهرات #مدن_السودان_تنتفض التي اندلعت في عام 2018 ضدّ نظام البشير، تتعرّض مواقع التواصل وشبكة الإنترنت بالكامل وحتّى شبكة الاتصالات إلى الحجب والإبطاء وجميع أنواع الخنق والتقييد. لم يتغيّر الأمر بعد سقوط البشير ونظامه، إذ استخدم المجلس العسكري التكتيك القمعي نفسه لقطع خدمات الإنترنت عن السودان في حزيران/يونيو 2019، وذلك كي يغطّي المجلس على “مجزرة القيادة العامة” التي راح ضحيّتها المئات من المدنيين.

وفي أيلول/سبتمبر من عام 2020، وعلى إثر قطع الإنترنت في السودان بالتزامن مع الامتحانات العامة، كشفت “سمكس” عن استمرار سيطرة المجلس العسكري على قطاع الاتصالات في السودان وتحكّمه به، على الرغم من القرارات التي صدرت في عام 2019 لتسليم إدارة القطاع إلى الوزارات المدنية وما طالب مجلس الوزراء السوداني في عام 2020 بإصلاح هيكلي وأن تكون وزارة المالية هي الوصيّة على الشركات التي يديرها الجيش السوداني.

ثم تكرّر قطع الإنترنت في عام 2021 بحجة الامتحانات في شهر حزيران/يونيو، قبل قطعها مجدداً في شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر في أعقاب الانقلاب العسكري.

أضرار إنسانية واقتصادية، ومواجهة قضائية مستمرة

أصبح الإنترنت خدمة أساسية لا يحقّ لأحد التحكّم بها وحرمان الناس منها بحجج مختلفة. ولذلك، من المهمّ أن يستمرّ المنظّمات الحقوقية والناشطون/ات في رصد عمليات قطع الإنترنت، للإضاءة على هذه الانتهاكات والعمل على إيجاد الحلول من أجل مجتمع تسود فيه قيم العدل والعقل والإنسانية.

يهدف قطع الإنترنت عن السودان إلى منع جميع وسائل النشر والإعلان ودعوات التجمّع، كما يساهم في التغطية على إرهاب الميليشيات بحق المواطنين السودانيين وأملاكهم. وهذا ما ينتهك حقوق الإنسان في التجمّع والتواصل والوصول إلى المعلومات، كما يُعتبر انتهاكاً واضحاً لتقرير مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في دورته 32.

يخلّف قطع الإنترنت خسائر كبيرة بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، كما أنّ التعتيم يحدّ من حرية التعبير ويسمح للقوات الحكومية بانتهاك حقوق الإنسان في ظلّ تغييب الأدلّة والتسجيلات التي توثّق ذلك. وهذا ما حصل فعلاً في السودان في أكثر من مناسبة.

في المقابل، وقف القضاء السوداني إلى جانب المواطنين. ففي 9 تشرين الثاني/نوفمبر، أمرت المحكمة العامة في الخرطوم أ بـ”إعادة الإنترنت فوراً”، بعد دعوى رفعها محامون وجمعية حماية المستهلك السودانية، وفقاً لما قاله الصديق المحامي عبدالعظيم حسن لوكالة الصحافة الفرنسية. ثم في 11 من الشهر نفسه صدر قرار قضائي جديد عن “محكمة الخرطوم الجزائية”، يأمر شركات الاتصالات “بإعادة الإنترنت إلى جميع المشتركين في خدمة الإنترنت مؤقتاً إلى حين الفصل في دعوى التعويض عن الضرر”. ومع ذلك، بقيت الاتصالات مقطوعة قبل أن يصدر “جهاز تنظيم الاتصالات والبريد” ومن خلفه السلطة العسكرية في مساء اليوم نفسه بياناً رسمياً يؤكد فيه استمرار #قطع_الاتصالات، بحجة “الأمن القومي”! ثمّ في 14 تشرين الثاني/نوفمبر، رفضت محكمة سودانية المبرّرات التي قدمتها شركات الاتصالات لعدم تنفيذ أمر إعادة خدمة الإنترنت إلى المشتركين. لم تلتزم شركات الاتصالات بالأوامر القضائية، علماً أنّه وفقاً للوثيقة الدستورية، “قرارات السلطة القضائية ملزمة لكافة الجهات الحكومية، بما فيها شركات الاتصالات، […] وحقّ الوصول إلى الإنترنت مكفول للمواطنين”، حسبما أشار الناشط السوداني محمد البشير.

ومع ذلك لم تنفّذ شركات الاتّصالات الأمر بإعادة الخدمات مفقاً للأوامر القضائية بل تبعاً للمجريات السياسية.

وكانت “محكمة الخرطوم الجزئية” قضت في 23 حزيران/يونيو 2019 لصالح المحامي عبدالعظيم حسن في قضيته ضد شركة “زين السودان” وأمرت بإعادة خدمة الإنترنت، لحين الفصل في القضية بشكل نهائي. ولكنّ الحكم بدا وكأنّه يلقي اللوم على شركة “زين” وحدها على الرغم من أن فصل الإنترنت تم  بأمر حكومي.

المعركة طويلة ضدّالقمع والتعتيم في السودان، فالبعض يوثّق أحداث قطع الاتصالات والإنترنت والحجب (اتبعوا النصائح في هذه المقالة)، والبعض الآخر مثل المحامي عبدالعظيم حسن يعوّل على القضاء.

ساندوا السودان واستخدموا هاشتاغات #لا_لقطع_الاتصالات #NoExamShutdown للإبلاغ عن حالات قطع الإنترنت ومناقشتها، ولمطالبة الحكومات بالامتناع عن قطع الاتصالات لأنّها حقّ من حقوق الإنسان. 

شاركوا كذلك سبل تخطّي الحجب وتوثيق حالات قطع الإنترنت:

حجب مواقع الويب في المنطقة العربية: تقنيات والرصد والمواجهة (التوثيق باستخدام تطبيق Ooni Probe)

‫نصائح للحماية من الاستهداف الرقمي للمتظاهرين

مجموعة نصائح للمساعدة على مواجهة الاستهداف الرقمي

عبد قطايا

مدير المحتوى الرقمي لدى "سمكس"، ومدرّب في مجال السلامة الرقمية، كما يعمل كصحافي ومترجم مستقل، يهتمّ بالتكنولوجيا والاقتصاد وريادة الأعمال. تابعوه على تويتر @kataya_abd.