إشراك المواطنين في أمر حكومي حول الدرون في تونس: ماذا عن حماية المعطيات الشخصية؟

في 16 شباط/فبراير الماضي، نشر وزير النقل واللوجستيك التونسي، معزّ شقشوق، تغريدة يعلن فيها عن إطلاق الاستشارات العمومية حول مشروع الأمر الحكومي (مرسوم يصدر عن رئيس الحكومة بعد مداولة مجلس الوزراء) الخاص بتشغيل الطائرات الموجّهة عن بُعد في تونس، حيث ستأخذ الحكومة بآراء المواطنين قبل إقرار هذا الأمر.

لا تشكّل الاستشارات العمومية في تونس سابقةً بحدّ ذاتها، إذ سبق أنّ أقرّ هذا المسار التشاركي مع حكومة الرئيس المهدي جمعة في عام 2014. ولكن، يبقى طرح مشروع الأمر الحكومي “لضبط الشروط الفنية المنطبقة على الطائرات الموجهة عن بُعد” أمام العلن، مسألةً إيجابيةً تُحسب لوزير النقل واللوجستيك. وعلى الرغم من أنّها لم تكن المرّة الأولى التي يُطرح فيها نصّ قانوني على العموم، فلقد مكّن هذا الطرح المواطنين/ات من معرفة المشروع قبل إقراره وخوّلهم مشاركة ملاحظاتهم وآرائهم.

رأى البعض مشروع الأمر الحكومي هذا أمراً إيجابياً بشأن ترخيص عمل الطائرات بدون طيار في البلاد، في حين اعتبر آخرون أنّه يقونن تقييد استخدام هذه الطائرات بعدما كان منعها مقنّعاً ولا يعتمد على قانون محدّد، في وقتٍ لم يركّز على حماية المعطيات (البيانات) الشخصية.

الأصل في إباحة الأنشطة وليس في منعها

لم يكن في تونس أيّ قانون يمنع استخدام الطائرات بدون طيّار (الدرون)، إلّا أنّ “استخدامها كان ممنوعاً رغم غياب أيّ قانون واضح لمنعه، بحيث كان أيّ شخص يمتلك دروناً يتعرض للمضايقة والمنع ومصادرة الجهاز الطائر”، حسبما يقول المستشار في القانون والسياسات العامة، عياض عبيد، لـ”سمكس”.

فحتّى إعلان الوزير عن مشروع الأمر الحكومي الجديد، كان المناخ العام للسلطة في تونس معادياً للدرون. فقد كانت الأجهزة الأمنية التونسية تضبط الطائرات بدون طيّار بغضّ النظر عن وجهة استخدامها، وكانت الجمارك تصادر طائرات الدرون حتّى قبل دخولها البلاد باعتبارها “بضائع محظورة وحساسة للتهريب”.

أمّا في حال أُقرّ مشروع الأمر الحكومي هذا، سيصبح بإمكان المواطنين استخدام الدرون من دون مضايقات. ومع ذلك، فإنّ هذه الممارسة المتعلّقة بعمل الدرون في تونس “تكرّس مبدأ المنع إلى أن يأتي نصٌّ يشرّع الاستخدام بما يخالف الفلسفة القانونية التونسية”، حسبما يرى عبيد. يشرح أنّ نص مشروع الأمر الحكومي جاء ثقيلاً (يضمّ 92 فصلاً) ويشتمل على نوعٍ من الحيطة أو التوجّس المبالغ فيهما، بما يوحي أنّ هناك نية لفتح المجال وضبط استخدام الدرون ولكن بعقلية زجرية وتضييقية”.

يفرض مشروع الأمر الحكومي عموماً أن يحصل صاحب/ة الدرون على ترخيص مسبق، ما يضيف عقبة إضافية ويكرّس مبدأ المنع قبل الاستخدام، وخصوصاً الاستخدام الشخصي للدرون. في المقابل، يقول عبيد إنّ “الإدارة الرسمية ينبغي أن تراقب النشاط الاقتصادي بعد أن يبدأ الشخص به وليس قبله”. فالترخيص المسبق يعني وضع “المزيد من العراقيل والتعقيدات الإدارية، ما يضيّع على المستخدمين/ات المزيد من الوقت والمال ليفتح بعد ذلك باب للرشوة والمحسوبية بسبب امتلاك الإدارة قرار قبول الترخيص من عدمه”.

يتعارض التعامل مع ترخيص الدرون في مشروع الأمر الحكومي هذا مع ما تبذله السلطات التونسية من جهود في سبيل تنشيط الاقتصاد. ففي الأمر الحكومي عدد 417 لسنة 2018، اعتبرت الحكومة التونسية أنّه يمكن ممارسة الأنشطة الاقتصادية من دون ترخيص، وحصرت الترخيص بعدد محدّد من الأنشطة مثل الموارد الطبيعية والنقل والخدمات المالية والتعليم والصحة والاتصالات. وفي عام 2016، صادق مجلس النواب التونسي على “قانون عدد 71 يتعلق بقانون الاستثمار” الذي يخفّف من التراخيص المطلوبة للبدء بممارسة الأنشطة الاقتصادية ويشتمل كذلك على الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويعتبر القانون في الفصل 4 أنّ “السكوت بعد انقضاء الآجال المنصوص عليها بالفقرة الثالثة من هذا الفصل ترخيصاً إذا كان المطلب مستوفيا لكلّ الشروط المستوجبة”.

وبالتالي، يخالف مشروع الأمر الحكومي “للطائرات الموجّهة عن بعد” روح التوجّه التشريعي والترتيبي للقوانين والأوامر السابقة، “حيث يشتمل على ضرور الحصول على ترخيص مسبق بدلاً من وضع معايير لممارسة النشاط الاقتصادي قبل الحصول على ترخيص”، وفقاً لعبيد. يتساءل الناشط الحقوقي عمّا إذا اعتبرت الحكومة الدرون ضمن الأنشطة التي تتطلّب ترخيصاً وفقاً للأمر الحكومي عدد 417، ويقول إنّ “الدرون ليست وسيلة من وسائل النقل التقليدي، بل هي أداة يمكن استخدامها والاستفادة منها في الكثير من الأنشطة الاقتصادية، مثل الزراعة الذكية، ودراسة الظواهر الطبيعية، والمساعدة في حالات الكوارث، والأعمال الإنشائية والمعمارية، وغيرها الكثير”.

ولذلك، يؤكّد عبيد على أنّ الأمر الحكومي  يجب ألّا يكرّس المنع، بل ينبغي أن يبيح الاستخدام وينظّمه، ويراقب، ويعاقب من يسيئ استخدام الدرون.

إذا كان في الأمر هاجس أمنيّ، فماذا عن الخصوصية؟

يتّسم مشروع الأمر الحكومي المقترح بطابع تقني حادّ، ويركّز على القيود أكثر من الحقوق. فالضوابط التقنية الموجودة في المشروع لا تفرّق كثيراً بين استخدامات الدرون، وهي ثقيلة جداً على أصحاب الاستخدامات البسيطة، ما يخلق نوعاً من التمييز بين من يستطيع أن يلبّي المتطلّبات ومن لا يستطيع، بحسب عبيد.

في مشروع الأمر الحكومي ضوابط تقنية متعلقة بالإحداثيات الجغرافية، والمجال الجوي، والطيران المدني، والعلوّ، والارتفاع، والمتحكّم بالآلة، والحاجة إلى رخصة سياقة للتثبّت من كفاءة المتحكم، وضرور التأمين على الدرون، ومطابقة قوانين أخرى مثل قانون الاستيراد، والتعامل مع أجهزة الذبذبات الرادوية. وبالتالي، يلفت عبيد إلى أنّ “كلّ هذه المتطلّبات أصبحت عراقيل تقنية أكثر منها ضوابط”.

تلمّح كثرة الضوابط إلى وجود هواجس لدى الحكومة، أهمّها الهاجس الأمني والهاجس الدفاعي، بحسب عبيد الذي يعتبر أنّ استشارة “وزارتي الدفاع الوطني والداخلية فيما يتعلّق بمشروع الأمر الحكومي لا تكفي”. ويشير بعد ذلك، إلى جوانب جرى إهمالها في المشروع مثل الجانبين الاقتصادي والاستثماري اللذين وردا في الأمر الحكومي عدد 417 لسنة 2018 المتعلّق بتراخيص الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يعتبره عبيد “ممارسة ترتيبية رديئة”.

ولكن، بدلاً من ذلك، كان ينبغي إيلاء الأهمية القصوى إلى الخصوصية سواء مع ترخيص أم بدونه. ففي وقتٍ يذكر مشروع القانون المعلّق بالطائرات الموجّهة عن بعد في الفصلين 14 و21 بضرورة “احترام الحقوق المرتبطة بالحياة الشخصية والبيئة واستعمال نظام الطائرة الموجهة عن بعد بطريقة تقلّص من الإزعاجات للأشخاص أو للحيوانات”، لم يركّز كثيراً على المعطيات الشخصية التي يمكن جمعها باستخدام هذه الطائرات مثل الصور والبيانات الطوبوغرافية.

يعتبر قانون “حماية المعطيات الشخصية” لعام 2004 في الفصل 4 أنّ المعطيات الشخصية هي “كلّ البيانات مهما كان مصدرها أو شكلها والتي تجعل شخصاً طبيعياً معرفاً أو قابلاً للتعريف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة باستثناء المعلومات المتصلة بالحياة العامة أو المعتبرة كذلك قانوناً”. وبما أنّه يمكن للدرون أن تصوّر أشخاصاً وأملاكاً أو مساحات طوبوغرافية يمكن أن تعرّف بشخصٍ ما، وبما أنّها تستطيع التقاط الصور خلسةً من مجالات غير متاحة للبشر وبطريقة أسرع، يتساءل عبيد “لماذا لم يركّز المشروع على حماية بيانات الناس وخصوصيتهم والجهة المخوّلة بذلك، بدلاً من التركيز على التراخيص والقيود؟”.

ومع ذلك، يؤكّد المستشار في القانون والسياسات العامة أنّ القانون يسمو على الأمر الحكومي في تونس، ولذلك فإنّ “الأمر الحكومي المتعلق بالطائرات الموجّهة عن بعد لا بدّ أن يخضع لقانون حماية المعطيات الشخصية، بغضّ النظر عن رأيي بهذا القانون”.

استشارة عمومية غير ملزمة، فهل تكون نافعة؟

لا يزال مشروع الأمر الحكومي “مشروعاً” وهو لم يُقرّ حتّى الآن، ولا يزال المواطنون التونسيون/ات يرسلون تعليقاتهم على المنتدى المخصّص لجمع الملاحظات من العموم.

ومع ذلك، فإنّ الاستشارة العمومية ليست ملزمة للحكومة، ولكنّها تأخذ بها إلى حدٍّ ما، وفقاً لعبيد الذي يؤكّد أنّ هذه الممارسة يجب أن تستمرّ: “من المفيد دائماً أن تُطرح النصوص القانونية على العموم قبل إقرارها، فللمجتمع المدني تأثير حقيقي على مشاريع الأوامر الحكومية والقوانين في تونس”.

من الأمثلة على أهمية الاستشارة العمومية، قانون “تحسين مناخ الاستثمار” لعام 2019. يشير عبيد إلى أنّ “الجهات الحكومية عملت آنذاك على استشارة القطاعين العام والخاص وجمع أفكار الناشطين الاقتصاديين من أجل صياغة قانون يقوم على جملة من الإصلاحات السريعة وقصيرة المدى من أجل تسهيل مناخ الاستثمار”. وقد استطاعت السلطات أن تتوصّل إلى قانون “يلبّي القطاع الخاص ويتوافق مع محاذير القطاع العام”.

المثال الآخر هو مشروع إنشاء بطاقات بيومترية طرحته وزارة الداخلية في عام 2018. يشرح عبيد أنّه “كان مشروعاً سيئاً لأنّه لم يوضح لأيّ غرض ستُستخدم المعطيات الشخصية التي تجمعها البطاقات البيومترية، والجهة التي يمكن أن تستغلّ هذه المعطيات غير وزارة الداخلية”. يشير الناشط الحقوقي إلى أنّ المجتمع المدني هبّ ضدّ القانون، وأجرى عليه مراجعات عدّة، وأقنع النوّاب على إجراء الكثير من التعديلات؛ ولكنّ وزارة الداخلية التونسية سحبته في نهار التصويت عليه “لأنّه كان من الصعب تعديله لو أقرّ بصورته الإيجابية تلك”، حسبما يقول. وفي العام الجاري، أعادت وزارة الداخلية مشروع قانون إنشاء بطاقة بيومترية معدّلاً إلى مجلس النواب من أجل مناقشته والتصويت عليه، بعدما أضافت إليه مشروع قانون آخر حول جواز السفر البيومتري.

مهما كانت نتيجة الاستشارة العمومية، يبقى من حقّ الناس أن يطّلعوا على النصوص القانونية التي تمسّ حياتهم/ن اليومية، من أجل مناقشتها وإبداء الرأي بشأنها وإشراكهم/ن في عملية صنع القرار. وفي حين يُنظَر إلى المبادرات التشاركية بين السلطات والمواطنين/ات على أنّها إحدى وسائل الشفافية والمشاركة المدنية، ينبغي أن تكتمل هذه التجربة مع الأخذ بآراء المواطنين/ات فعلاً والتركيز على تسيير شؤونهم/ن وحمايتهم/ن وحماية معطياتهم/ن وبياناتهم/ن الشخصية بدلاً من التركيز على القيود والمحاذير.

This page is available in a different language English (الإنجليزية) هذه الصفحة متوفرة بلغة مختلفة

عبد قطايا

مدير المحتوى الرقمي لدى "سمكس"، ومدرّب في مجال السلامة الرقمية، كما يعمل كصحافي ومترجم مستقل، يهتمّ بالتكنولوجيا والاقتصاد وريادة الأعمال. تابعوه على تويتر @kataya_abd.