في كل مرة يُستحدث فيها قانون جديد للجرائم الإلكترونية في مكانٍ ما من منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، يجري تبريره عادةً بالمنطق نفسه. إذ تقدّم الحكومات هذه القوانين على أنّها ضرورية لمكافحة القراصنة، وحماية الأمن الوطني، والحدّ من الاحتيال عبر الإنترنت. لكن عند التمعّن في نص القانون، لا في البيانات الحكومية التي تروّج له، يتبيّن أنّ هذه القوانين غالباً ما تتجاوز بأشواط مسائل القرصنة والاحتيال والجرائم التقنية الأخرى.
وعلى مرّ السنوات، استُخدمت هذه القوانين لاعتقال صحافيّين وناشطين بسبب تغريدات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يكون أيٌّ منهم قد ارتكب أيّ عملية قرصنة. ويبدو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد في سلطنة عُمان، الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2026، أقرب إلى قانون يستهدف الإنترنت نفسه منه إلى قانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
تعريفات فضفاضة توسّع نطاق القانون
تكمن المشكلة في اللغة التي صيغ بها القانون. إذ تعتمد قوانين الجرائم الإلكترونية على مصطلحات مثل “إساءة استخدام التكنولوجيا”، و”المحتوى الضار”، و”المعلومات المضلِّلة”، و”التهديدات للنظام العام”، وكأنها مفاهيم قانونية دقيقة. لكن في الواقع، تُصاغ هذه القوانين بعبارات فضفاضة بما يكفي لتشمل أيّ سلوك يقرر الادعاء العام ملاحقته.
وتشكّل المادة 20 من القانون مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تُجرّم إنتاج أو تخزين أو بث أو إرسال أو إعادة نشر كلّ ما من شأنه أن ” ينطوي على الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة”، وكذلك كل ما يُعدّ “شائعات أو معلومات مضللة بصورة مباشرة أو غير مباشرة”. وتتراوح العقوبة بين السجن من شهر إلى ثلاث سنوات وغرامة تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف ريال عُماني (أي ما يعادل نحو 2,600 و7,802 دولار أميركي)، وترتفع إلى السجن من ثلاث إلى عشر سنوات إذا اعتُبر أن الفعل يهدف إلى “إثارة الفتنة أو الكراهية أو العنصرية أو الطائفية أو الفرقة”.
ولا يقدّم القانون أي تعريف لمصطلحات مثل “النظام العام”، أو “الآداب العامة”، أو “المعلومات المضلِّلة”، أو “الفتنة”. وعندما تُترك هذه المصطلحات من دون تعريف، تنتقل سلطة تحديد معناها من السلطة التشريعية إلى النيابة العامة والقضاء، اللذين يملكان حينها صلاحية تقرير ما إذا كان أيّ محتوى قد تجاوز الخطوط الحمراء.
وعليه، قد يُعتبر صحافي ينشر مقطع فيديو يوثّق إخفاقاً حكومياً مهدِّداً لـ”النظام العام”، كما يمكن أن يُلاحَق مواطن يعلّق على سلوك أحد المسؤولين بتهمة نشر “معلومات مضلِّلة”. وفي ظل هذه الصياغة، لا توجد وسيلة موثوقة تُمكّن الأفراد من معرفة ما إذا كانوا قد خالفوا القانون أصلاً.
وقد شهدت المنطقة بالفعل، مرّة تلو الأخرى، الآثار المترتبة على هذا النوع من التفسير التعسّفي للقوانين. وهذا ليس احتمالاً نظرياً، بل ممارسة موثّقة، وبهذه الطريقة تُصنع الرقابة الذاتية على نطاق واسع.
وتتعارض المادة 20 من قانون الجرائم الإلكترونية العُماني بشكل مباشر مع المادتَيْن 19 و20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اللتين تكفلان حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي. كما تتعارض مع المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لأنّ وجود نص جنائي بهذه الدرجة من الغموض، وتطبيقه وفقاً لتقدير النيابة العامة، يفتحان الباب أمام الاعتقال والاحتجاز التعسفيَّيْن.
وتُجرّم المادة 23 أيضاً نشر “أخبار، أو بيانات، أو إشاعات كاذبة أو مغرضة، أو بث دعايات مثيرة” إذا كان من شأنها الإضرار بسمعة الدولة أو هيبتها أو مكانتها أو مؤسّساتها، أو تقويض الثقة بالأسواق المالية، أو التأثير في الاستقرار الأمني أو الاجتماعي أو الصحي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتُعدّ كلمة “مغرضة” أكثر المصطلحات إشكاليةً في هذه المادة، لأنها لا تحظى بأي تعريف قانوني. فبينما يمكن التحقق من كون الخبر “كاذباً” من عدمه، فإن وصفه بأنه “مغرض” يستند إلى الحكم على النوايا، وهو توصيف سياسي جرى إلباسه ثوباً قانونياً. كما أن مفهوم “الإضرار بسمعة أو مكانة أو هيبة الدولة” يمكن أن يشمل أي عمل صحافي نقدي، مثل التحقيق في قضايا الفساد أو كشف أوجه القصور المؤسّسي.
وتزداد خطورة هذه الأحكام في أوقات الأزمات. فبموجب المادة 30، يُعاقب على “تقديم معلومات غير صحيحة أو مضللة” تضرّ بمصالح الدولة بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، لكن إذا وقع ذلك أثناء حالات الطوارئ أو الحروب أو الكوارث أو الأوبئة، ترتفع العقوبة إلى السجن من خمس إلى خمس عشرة سنة، إضافةً إلى غرامات تصل إلى 100 ألف ريال عُماني (نحو 260 ألف دولار أميركي). كما تنص المادة 25 على تشديد مماثل للعقوبات في ما يتعلق بنشر معلومات عن التحركات العسكرية العُمانية أو شؤون الأمن الداخلي.
الجرائم الإلكترونية والسيطرة على الخطاب
في العديد من قوانين الجرائم الإلكترونية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، تُدرج الأحكام المتعلقة بالقرصنة والاحتيال ضمن القانون نفسه الذي يجرّم المحتوى الذي “يسيء إلى الدين”، أو “يضرّ بالوحدة الوطنية”، أو “يمسّ بالآداب العامة”.
وتؤدي ملاحقة الخطاب السياسي عبر قانون للجرائم الإلكترونية، بدلاً من قانون صريح للرقابة، إلى منح الحكومة غطاءً يبدو تقنياً. فمصطلح “الجرائم الإلكترونية” يجعل ما هو في جوهره جريمة تتعلق بالتعبير عن الرأي يبدو وكأنه مسألة أمنية، بحيث يمكن أن ينتهي الأمر بمن ينتقد وزيراً أو يغطّي احتجاجاً أمام القضاء بموجب قانون يُسوَّق للرأي العام باعتباره أداة لحمايتهم من القراصنة.
ويبني القانون إطاراً كاملاً لما يمكن وصفه بـ”جرائم المساس بالهيبة” حول هذه الأحكام. فتنص المادة 32 على عقوبة بالسجن تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات لكل من طعن في ” حقوق السلطان وسلطته، أو عابه في ذاته”، كما تمدّ هذه الحماية إلى زوجة السلطان وولي العهد وأبنائه. وتأتي عبارة “حقوقه وسلطته” بصياغة فضفاضة بما يكفي لتشمل الخطاب السياسي بحد ذاته، لا مجرد الإهانة الشخصية.
وتعاقب المادة 27 على نشر أي محتوى يخلّ “علانية بالاحترام الواجب للسلطة القضائية على نحو يشكك في نزاهتها”، بما يحوّل العمل الصحافي الذي يراقب أداء المحاكم، أو التغطية الإعلامية لملاحقات ذات دوافع سياسية، أو توثيق المخالفات الإجرائية، إلى أفعال مجرَّمة.
وفي السياق نفسه، تُجرّم المادة 24 “ازدراء” العملة أو العلم أو الشعار أو النشيد الوطني. ويُعدّ “الازدراء” معياراً ذاتياً يمكن أن يشمل السخرية، أو الصور المستخدمة في الاحتجاجات، أو الأعمال الفنية، وهي جميعها أشكال من التعبير التي تكفلها بوضوح المعايير الدولية الخاصة بحرية التعبير.
ويؤكد التعليق العام رقم 34 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذا الأمر بصورة لا لبس فيها، إذ يبيّن أن الحماية التي تكفلها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تمتد حتى إلى أشكال التعبير التي قد تُعتبر “مسيئة بشدة”، ولا يجوز تقييدها إلا ضمن الحدود الضيقة التي يجيزها العهد.
وتمتد هذه الحماية إلى خارج حدود السلطنة أيضاً. إذ تُجرّم المادة 26 الطعن في رؤساء الدول الأجنبية والدبلوماسيّين المعتمدين أو التشهير بهم، أو نشر “ما من شأنه الإضرار بعلاقات أو مصالح سلطنة عمان الخارجية”، وتفرض عقوبة بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات. وبذلك، لا يُحظر على المواطنين العُمانيّين انتقاد حاكمهم أو محاكمهم أو قوانينهم فحسب، بل يُحظر عليهم أيضاً انتقاد حكام الدول الأخرى.
وتختتم المادة 44 هذا الباب بنص يتعلق بالتجديف، إذ تفرض عقوبة بالسجن من خمس إلى عشر سنوات على نشر أي محتوى يُعدّ مسيئاً إلى الذات الإلهية، أو يتضمن إساءة إلى القرآن الكريم أو تحريفاً له، أو إساءة إلى الإسلام أو شعائره، أو إساءة إلى أيٍّ من أنبياء الأديان.
إنفاذ يتجاوز القضاء
يركّز كثير من هذه القوانين سلطات الإنفاذ في يد الجهات التنفيذية، مثل وزارات الداخلية، والأجهزة الأمنية، ووحدات الجرائم الإلكترونية المتخصّصة، بدلاً من إسنادها إلى القضاء المستقل. وبذلك يمكن تعليق الحسابات، وتنفيذ الاعتقالات، وإصدار أوامر إزالة المحتوى بسرعة، مع حد أدنى من الرقابة القضائية.
وعندما يجري تجاوز القضاء في عملية الإنفاذ، تحدث نتيجتان أساسيّتان. الأولى هي فقدان الشفافية، إذ لا يعود هناك سجل علني يبيّن أسباب اتخاذ القرار، ولا أحكام مكتوبة يمكن التدقيق أو الطعن فيها. أما الثانية فهي فقدان القدرة على الدفاع عن النفس، إذ تُهمَّش تدريجياً ضمانات المحاكمة العادلة التي يفترض أن تميّز بين سيادة القانون وممارسة السلطة التعسفية، وغالباً لا ينتبه الناس إلى ذلك إلا عندما تُستخدم هذه الصلاحيات ضد شخص يعرفونه.
وتمنح المادة 4 وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات صلاحية الحصول على البيانات الإلكترونية من أي جهة، حكومية كانت أو غير حكومية، داخل سلطنة عُمان أو خارجها، بناءً على أمر من الادعاء العام أو المحكمة، متى توفرت مجرد “أسباب كافية بوقوع” جريمة إلكترونية. ونظراً إلى أن الجرائم المتعلقة بالمحتوى تقوم على مصطلحات غير معرّفة، فإن “الأسباب الكافية” يمكن أن تُستخلص من أي منشور تقريباً.
وتتعارض آليات الإنفاذ هذه مع المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة. كما أن أوامر الحجب، أو تعليق الحسابات، أو أوامر الاستدعاء التي تفضي إلى الحرمان من الحرية من دون رقابة قضائية، تُعدّ أيضاً انتهاكاً للمادة 9 من العهد، التي تحظر الاعتقال والاحتجاز التعسفيَّيْن.
وتفرض المادة 21 عقوبة بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات على استخدام وسائل تقنية المعلومات في “التحريض أو الدعوة إلى التجمهر، أو الإضراب أو الاعتصام أو الخروج في مسيرات في غير الأحوال المرخص فيها”. ولدى سلطنة عُمان سجل موثّق في انتهاك الحق في التجمُّع السلمي، بالرغم من انضمامها مؤخراً إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تكفل المادة 21 منه هذا الحق. وعندما يصبح الحصول على الترخيص متعذراً، فإن عبارة “غير المرخص فيها” تصبح عملياً مرادفة لـ”جميعها”، فتتحول المادة إلى تجريم شامل لتنظيم العمل المدني عبر الإنترنت. وبذلك، قد يندرج ضمن نطاقها مجرد الدعوة إلى اعتصام عبر مجموعة على تطبيق “واتساب”، أو مشاركة منشور يعلن عن تنظيم تظاهرة.
وتمضي المادة 31 في الاتجاه نفسه، إذ تفرض عقوبة بالسجن من ثلاث إلى عشر سنوات على الدعوة عبر الإنترنت إلى تعطيل أو عدم الامتثال لـ”النظام الأساسي للدولة أو القوانين السارية أو المراسيم أو الأوامر السلطانية أو الأحكام القضائية أو الأوامر الصادرة عن هيئة ذات صفة قضائية”. فالدعوة عبر الإنترنت إلى إلغاء قانون ما قد تُفسَّر على أنها دعوة إلى عدم الامتثال له، كما أن انتقاد مرسوم سلطاني قد يُعدّ أيضاً تشجيعاً على تجاهله.
وهذا في جوهره هو العمل الذي يضطلع به المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان، كما أنه يشكّل صلب جهود المناصرة القانونية التي يسعى قانون الجرائم الإلكترونية هذا إلى إسكاتها.
حكومات لا تُخضِع المنصات للمساءلة
تتضمن قوانين الجرائم الإلكترونية في المنطقة عادةً أحكاماً تُلزِم منصات التواصل الاجتماعي ومزوّدي خدمات الإنترنت بالامتثال لطلبات الحكومات بإزالة المحتوى، مع فرض غرامات أو مسؤولية قانونية أو حتى حجب الخدمة في حال عدم الامتثال.
لكن الحكومات نادراً ما تمضي في اتخاذ إجراءات ضد المنصات الكبرى، وهذه المنصات تدرك ذلك جيداً. وما ينشأ بدلاً من ذلك هو تفاهم غير معلن ومستمر؛ إذ تمتثل المنصات لعدد كافٍ من الطلبات يضمن استمرار عملها في السوق، بينما تحصل الحكومات على عمليات إزالة المحتوى التي تهمّها تحديداً. وبذلك، يصبح القانون أداة ضغط أكثر منه إطاراً تنظيمياً، ولا يُفعَّل إلا عندما ترغب الحكومة في تحقيق هدف محدّد (كإزالة حساب بعينه أو الكشف عن هوية مستخدم معيّن).
والنتيجة أن المنصات لا تخضع فعلياً للتنظيم ولا للمساءلة، بل تعمل بأريحية ضمن هذا الهامش الرمادي. وبموجب المادة 60 من القانون العُماني، يجوز للمحاكم أن تأمر بالإغلاق الدائم أو المؤقت لأي نظام معلومات، أو موقع إلكتروني، أو مقر ارتُكبت فيه الجريمة أو شُرع في ارتكابها، على أن تُحدد مدة الإغلاق “في ضوء ظروف وملابسات الجريمة”. غير أن هذه “الظروف” تُبنى بدورها على مفاهيم غير معرّفة، مثل “النظام العام” و”هيبة الدولة”.
ذريعة “النظام العام”
تتكرر العبارات التي تستند إلى “النظام العام” أو “الاستقرار الاجتماعي” في قوانين الجرائم الإلكترونية في مختلف أنحاء منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا باعتبارها مبررات يمكن توظيفها في مواجهة أي نشاط تقريباً. وما يجعلها مفيدة للسلطات، وخطيرة على الجميع، هو أنها لا تشترط إثبات وقوع ضرر فعلي. فلا حاجة لإثبات أن منشوراً معيّناً ألحق ضرراً بأحد، بل يكفي أن يكون قد أدى لازعاج شخص في موقع السلطة.
ويبدو مصطلح “النظام العام” للوهلة الأولى كأنه يحمل وزناً قانونياً كبيراً، لكنه في الواقع يؤدي وظيفة أقرب إلى “شيك على بياض” قانوني، أو مبرر لا يحتاج إلى أدلة، ولا إلى إثبات وجود علاقة سببية بين منشور ما وأي ضرر حقيقي، ولا إلى معيار موضوعي يمكن للمحكمة الاحتكام إليه، ويكفي ببساطة أن يجري التذرع به.
قانون يجرّم الخصوصية
تفرض بعض القوانين قيوداً على الحسابات المجهولة، بينما تستحدث قوانين أخرى آليات تُسهّل على السلطات كشف هوية المستخدمين. وغالباً ما تُقدَّم هذه الأحكام باعتبارها تدابير لمكافحة الاحتيال، إلا أن تطبيقها نادراً ما يقتصر على قضايا الاحتيال وحدها.
وتجرّم المادة 12 حيازة أو استيراد أو بيع أو تداول أي جهاز أو برنامج أو كلمة مرور أو بيانات “مصممة أو مطورة أو محورة” لارتكاب جريمة منصوص عليها في القانون، أو لـ”إخفاء آثارها أو أدلتها الرقمية”، وتفرض غرامات تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة عشر ألف ريال عُماني (نحو 7,800 إلى 39 ألف دولار أميركي)، إضافة إلى عقوبة بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات. وتكمن خطورة هذه المادة في الشق المتعلق بـ”إخفاء الآثار”. فالقانون لا يشترط أن تكون الأداة قد استُخدمت فعلاً في ارتكاب جريمة، بل يكفي أن تكون قادرة على إخفاء آثارها الرقمية. وبهذا يمكن اعتبار شبكة افتراضية خاصة (VPN)، أو متصفح “تور” (Tor)، أو تطبيقات المراسلة المشفرة، أي الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها الصحافيون، والمدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان، والنشطاء والناشطات لحماية أمنهم الرقمي، وسائل لإخفاء الأدلة.
ولا يقتصر استخدام هذه الأدوات على المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان. فالشبكة الافتراضية الخاصة، على سبيل المثال، هي وسيلة تحمي المستخدم العادي عند الدخول إلى حسابه المصرفي عبر شبكة “واي فاي” عامة، كما أن تطبيقات المراسلة المشفرة أصبحت ببساطة الطريقة الطبيعية التي تعمل بها الاتصالات الحديثة (أو التي يُفترَض أن تعمل بها).
علاوة على ذلك، تنص المادة 14 على عقوبة بالسجن من ستة أشهر إلى سنة بحق كل من يرفض تسليم “الرموز السرية” إلى مأموري الضبط القضائي. غير أن كلمة المرور لا تفتح المجال فقط للوصول إلى المحتوى محل الاشتباه، بل تتيح الوصول إلى كامل محتويات الهاتف أو الحاسوب. وبالنسبة إلى الصحافي، يعني ذلك كشف شبكة مصادره بأكملها. أما بالنسبة إلى أي شخص آخر، فإن الهاتف اليوم يحتوي على تطبيقات مصرفية، وسجلات طبية، وصور عائلية، ومراسلات مهنية، وسنوات من المحادثات الخاصة. أما بالنسبة إلى المعارضين السياسيّين، أو المبلّغين عن المخالفات، أو الناجين والناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، أو أفراد مجتمع الميم، فإن إخفاء الهوية على الإنترنت ليس تفضيلاً شخصياً، بل شرطاً أساسياً للأمان.
“استثناء” يعرّض الفئات الأكثر هشاشة للخطر
يكمن أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذا القانون في حكمٍ يبدو للوهلة حكماً عادياً لحماية الخصوصية. إذ تُجرّم المادة 5 الدخول غير المصرح به إلى الأجهزة، بما يشمل تعديل البيانات الشخصية أو حذفها أو نشرها أو الإفصاح عنها، لكنها تُعفي الفاعل من أي مسؤولية إذا كان “ولياً أو وصياً أو قيّماً أو متولياً الرعاية” وإذا “أقدم على الفعل حفاظاً على مصلحة فاقد الأهلية أو ناقصها”.
غير أن القانون لا يعرّف المقصود بـ”نقص الأهلية القانونية”. وبموجب قانون الأحوال الشخصية العُماني، يمكن أن يمتد هذا المفهوم ليشمل النساء في الحالات التي يُعترف فيها بسلطة الولي الذكر. وبذلك، قد يتمكن الزوج أو الأب أو الأخ الذي يدخل إلى هاتف امرأة، أو يحذف مراسلاتها، أو ينشر بياناتها الخاصة، من التذرع بهذا الاستثناء بحجة أنه كان يتصرف لحمايتها.
كما أن عبارة “متولّي الرعاية” الواردة في النص العربي فضفاضة للغاية، بما قد يتيح حتى لصاحب عمل تعمل لديه عاملة منزلية مهاجرة، في ظل نظام الكفالة الحالي، محاولة الاستفادة من هذا الاستثناء.
في الوقت نفسه، تفرض المادة 2 اختصاصاً قضائياً خارج الإقليم بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة خارج سلطنة عُمان إذا أضرت بالمصالح العُمانية، “أو إذا تحققت النتيجة الإجرامية في سلطنة عمان أو كان يراد لها أن تتحقق فيها”، الأمر الذي قد يضع العُمانيّين في المهجر، والصحافيّين الأجانب الذين يغطون الشأن العُماني، ومنظمات المجتمع المدني الدولية، ضمن نطاق تطبيق القانون.
وعلى مدى ما يقارب خمسة عشر عاماً، استُخدم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر عام 2011 غطاءً قانونياً لاحتجاز الصحافيّين والنشطاء. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، أُوقف طالب السعيدي وأُحيل إلى المحاكمة بموجب المادة 19 من ذلك القانون بسبب تعبيره عبر الإنترنت عن آرائه الشخصية بشأن مأساة محلية وقعت في ولاية العامرات. وقد حُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، وغُرّم، وصودر هاتفه. كما وُجهت إلى الناشط عوض الصوافي اتهامات بموجب الإطار القانوني نفسه، شملت “التحريض” و”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، على خلفية تغريدات انتقد فيها تركّز السلطة داخل الحكومة.
وقد وثّقت منظمات المجتمع المدني هذه القضايا ودعت إلى إصلاح القانون. ففي تموز/يوليو 2025، دعا المركز العُماني لحقوق الإنسان والديمقراطية، في مذكرة مشتركة مع مركز الخليج لحقوق الإنسان قُدمت في إطار الاستعراض الدوري الشامل الخاص بسلطنة عُمان، الدولةَ إلى مواءمة قانون عام 2011 مع المعايير الدولية.
لكن رد الدولة جاء في صورة قانون عام 2026، الذي أبقى على جميع الأحكام التي استُخدمت ضد السعيدي والصوافي، وأضاف إليها تجريم استخدام أدوات التشفير، وتجريم الدعوة إلى الإصلاح القانوني، ومنح السلطان والقضاء ورؤساء الدول الأجنبية حماية من الانتقاد، فضلاً عن توفير ملاذ قانوني للأولياء والأوصياء يتيح لهم مراقبة النساء الخاضعات لولايتهم.
ويُشار إلى أنّ توقيت صدور هذا القانون يجعل من الصعب تجاهل هذه التناقضات. فقد انضمت سلطنة عُمان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ثم اعتمدت، بعد أشهر قليلة، قانوناً ينتهك أحكامه بصورة منهجية.
كما أن سلطنة عُمان طرف في الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي تكفل المادة 32 منه حرية الرأي والتعبير، وتحظر المادة 21 منه التدخل التعسفي في الخصوصية، وهما حقان يتعارض معهما هذا القانون بصورة مباشرة.
كذلك صدّقت سلطنة عُمان على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 1994، وتنص المادة 7 منها على حماية مشاركة المرأة في الحياة العامة وضمان حريتها في التعبير.
وعليه، فإن الالتزامات التي تعهدت بها سلطنة عُمان بموجب القانون الدولي، إلى جانب التعهدات التي قبلتها في إطار عملية الاستعراض الدوري الشامل، توفر معياراً واضحاً ينبغي قياس هذا التشريع على أساسه. وبالاحتكام إلى هذا المعيار، فإن القانون لا يفي بتاتاً بتلك الالتزامات.
