تكتب/ين منشوراً عادياً على الإنترنت. لا بطولة فيه ولا إثارة للجدل. مجرّد نكتة عن انقطاع الكهرباء مثلًا، أو تعليق ساخر على خطاب أحد الوزراء.
وبعد أسابيع، يرنّ هاتفك.
يُقال لك إنك مطلوب/ة لأنَّك خالفت قانوناً، وعلى الأرجح تتضمن تسميته عبارة “الجرائم السيبرانية”. فتستغرب/ين الأمر لأنك لم تقم بأيّ خرق أو انتهاك!
تنتشر قوانين الجرائم السيبرانية في دول منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا كما لو كانت وصفةً متداولة. أصدرت عُمان قانوناً جديداً هذا العام، ومرّر الأردن نسخته الخاصة في أقل من شهر، بينما يعود مشروع القانون العراقي ليطفو إلى السطح مجدداً بعد طرحه للمرة الأولى عام 2011.
ماذا تتضمّن تلك القوانين؟
- تعريفات عامّة غير واضحة
تحتوي هذه التشريعات على مصطلحات عامّة غير محدّدة بوضوح، ومنها مثلاً مفهوم “إساءة استخدام التكنولوجيا” في عُمان أو عبارة “الإضرار بالمصلحة العامة” في الإمارات العربية المتحدة. ولم توضَع هذه العبارات من باب الصدفة أو بطريقة عشوائية: فالمادّة القانونية الغامضة يمكن تفسيرها بألف طريقة بحسب رغبة الجهة المدّعية، فتنتقل صلاحية تفسير القانون من البرلمان إلى الجهة التي تُقرِّر توجيه الاتهام إليك.
- الخلط بين الجرائم السيبرانية وقمع حرية التعبير
تندرج الإساءة إلى الدين واختراق قواعد البيانات تحت القانون نفسه، وبعقوبات متشابهة تُطالِب بها الجهات نفسها المسؤولة عن الادّعاء. وتُصاغ القواعد التي تتناول قضايا “الأخلاق” و”الوحدة الوطنية” بالأسلوب نفسه مثل القواعد التي تتناول البرمجيات الخبيثة. فتصبح الإساءة إلى مسؤولٍ في الدولة شبيهة بأعمال الشغب مثل التعدّي على شبكة كهرباء مثلًا.
- الاستناد إلى النظام العام كمبرّر
لا ينصّ القانون على ضرورة إثبات وقوع الضرر الفعلي. فلا يوجد أيّ معيار واضح، ولا يُشترَط وجود دليل يُثبِت وقوع الضرر، ولا حتّى أي معيار واضح يمكن للقضاة تطبيقه. وقد تكون العبارة نفسها كافية.
- تجريم “المعلومات الكاذبة” من دون تعريف الكذب
مَن الذي يُحدِّد ما إذا كانت المعلومات كاذبة أو صحيحة؟ في حالات كثيرة، يُترَك الأمر للجهة نفسها التي تتقدم بالشكوى. وعندما يكون المستهدَف مؤسّسة حكومية، قد لا تكون هناك حاجة إلى تقديم شكوى أصلاً. وهكذا، تصبح السخرية والتسريبات والتغطية الصحافية الأوّلية لكارثةٍ ما، كلّها عرضة للتجريم.
- عقوبات غير متناسبة
لا تتناسب العقوبة مع الجُرم المفترض. فبعض مشاريع القوانين تقترح السجن المؤبد والغرامات الطائلة كعقوبة على نشر محتوى “ينال من المصالح العليا للدولة”. سجنٌ مؤبّد كعقابٍ على نشر محتوى مُسيء. ولا تحتاج الدولة إلى استخدام هذه العقوبة كثيراً. يكفي صدور بعض الأحكام القليلة لبثّ الرعب في نفوس الجميع وجعلهم يمتنعون عن نشر أيّ محتوى.
- اشتراط الحصول على ترخيصٍ للنشر على الإنترنت
في بعض البلدان، يتوجّب على المدوّنين والمواقع الإخبارية والمؤثّرين أن يتسجّلوا لدى السلطات قبل البدء بالنشر. ويمكن رفض منح الترخيص أو سحبه لاحقاً. ثم، من الذي يقرر أساساً مَن يستحقّ أن يُصنَّف “مؤثِّراً”؟
- الاختصاص القضائي خارج حدود الدولة
تدّعي بعض القوانين أنَّ اختصاصها القضائي ينطبق على أي محتوى يمكن الوصول إليه من داخل البلد، ما يعني أن مغادرة البلد لا تضمن بالضرورة أن يصبح الشخص بمنأى عن الملاحقة القانونية. على سبيل المثال، يظل المغتربون العُمانيون عرضة للخطر أينما كانوا. وإذا انتقدَ شخصٌ ما الحكومة أثناء وجوده خارج البلد، يمكن تقديم دعوى قضائية ضده في عُمان، وقد يصدر حُكم المحكمة بحقّه غيابياً، ولا أحد يعلم ما الذي قد يحدث عندما يعود إلى بلده.
- علاقات مثيرة للجدل مع شركات التكنولوجيا
تطلب الحكومات من المنصات إزالة المحتوى، وإذا رفضت المنصات أن تلتزم بهذه الأوامر، تُفرَض عليها غرامات، حتى أنها قد تتعرّض للحجب الكامل. وفي الوقت نفسه، لا توجد أي ضمانات تحمي بيانات المستخدمين من الشركات أو من الدولة. وفي بعض الحالات، تعمد الحكومات إلى تهديد المنصات علناً، لكنها في المقابل تطلب منها (بعيداً عن الأضواء) بيانات أشخاص تلاحقهم قضائياً.
- إجراءات طارئة أو استثنائية تتجاوز المحاكم العادية
لا تَصِل بعض “الجرائم السيبرانية” أبداً إلى المحاكم الجزائية العادية، بل تُحال إلى أمن الدولة أو النيابة العسكرية. وهذا يعني غياب المحاكمة العلنية، وعدم وجود حُكم خطي يوضح أسباب الإدانة، وانعدام الحق في الاستئناف في كثير من الأحيان.
إذاً، لماذا يُعتبَر شعار “الجرائم السيبرانية” كغطاءٍ تسويقيّ مثاليّ؟ لأنَّك لن تجد أيّ تحرّك احتجاجي دفاعاً عن حقوق المُخترِقين (hackers) أو مُرتكِبي الجرائم السيرانية. إذا سمّيناه قانون رقابة، ستنهال الاعتراضات والبيانات و”الهاشتاغات” والإدانات من المنظمات الدولية. أما إذا كان عنوانه “قانون الجرائم السيبرانية”، فكل ما تحتاج إليه الحكومة هو بيان صحافي يتحدث عن حماية القيم والعائلات من المحتوى الضار، لأن مصطلح “الجرائم السيبرانية” يبدو تقنياً ودقيقاً. وهذا تحديداً ما يجعله فعالاً.
ومن المفارقات أن معظم الحكومات التي تتبع هذا النهج قد وقّعت على “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” (ICCPR)، الذي يكفل حرية التعبير.
ولمعرفة هذا النوع من القوانين، يمكن طرح بعض الأسئلة الأساسية: هل المصطلحات الواردة فيه مُعرَّفة بوضوح؟ هل يتناول مسألة التعبير عن الرأي وجرائم الاختراق الإلكتروني في نصٍّ قانوني واحد؟ مَنْ الذي يقرّر أو يحدّد ما هو كاذب/مسيء/غير لائق؟
إذا كان القانون غير واضح، ويخلط بين التعبير عن الرأي والاختراق الإلكتروني، ويعاقب على الإهانات كما لو كانت أعمالاً تخريبية، فهو ببساطة ليس قانوناً للجرائم السيبرانية، بل هو “ذئبٌ في ثوب حَمَل”.
