أغسطس 4, 2026 | أخبار

رؤيتنا بشأن إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في لبنان

سمكس
04 أغسطس 2026

كان لبنان على وشك إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. وكانت الحكومة تضغط للإسراع في إقرار مشروع قانون يهدف لهذه الغاية، إلا أن مجلس النواب قرر إبطاء وتيرة الإجراءات، حيث أحال الاقتراح إلى اللجان البرلمانية المشتركة لإجراء مراجعة أعمق.

ونحن نرى أن هذا هو القرار الصائب، ونودّ توضيح أسباب هذا الموقف.

لا يتعلق الأمر هنا بما إذا كان على لبنان الانخراط في مجال الذكاء الاصطناعي أم لا، بل يتعلق بكيفية القيام بذلك، وبأفضل طريقة لتحقيقه. وبصيغته الحالية، يمنح مشروع القانون صلاحيات واسعة وغير محددة لوزارة واحدة فيما يتعلق بتكنولوجيا مثيرة للجدل تشكل محور نقاش عالمي حول الحوكمة والمساءلة والخصوصية والحقوق.

إن إسناد جميع القضايا المتعلقة بالتكنولوجيا إلى وزارة واحدة دون ضمانات مناسبة هو إجراء يتجاهل الإصلاح المؤسسي الذي يحتاجه لبنان فعلياً، وهذا النوع من الإجراءات لا يؤدي إلى حوكمة رشيدة.

وقد كشفت مراجعتنا لمشروع القانون عن أوجه قصور خطيرة:

1- صلاحيات واسعة وغامضة التعريف مُركزة في يد وزارة واحدة، مع غياب الحد الأدنى من آليات المساءلة. 

2- صلاحيات ومهام تتداخل وتتعارض مع مؤسسات قائمة مسبقاً، مما يخلق مركزية غير ضرورية ويتيّح التدخل في عمل الوزارات الحالية  بشأن قضايا معينة.

3- عدم وجود ضمانات حقيقية لحماية البيانات الشخصية والخصوصية، وهو قانون طالما دعونا إلى إقراره.

4- استبعاد المجتمع المدني، والخبراء التقنيين، والباحثين، وغيرهم من أصحاب المصلحة الذين كان ينبغي أن يكونوا شركاء على طاولة الحوار.

ولكن الأهم من ذلك، أن لبنان لا يمتلك الشروط المسبقة اللازمة لإنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. فلا يزال البلد يفتقر إلى إمدادات كهرباء كافية، وبنية تحتية رقمية موثوقة، وقوانين وسياسات تشمل مجالات تتراوح من الأمن السيبراني إلى قوانين الخصوصية الشخصية، وكذلك قوانين واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة.

الذكاء الاصطناعي هو تقنية تعتمد على مجموعات بيانات ضخمة ومُنظَّمة، وتحتاج إلى موارد كثيرة. لذا، يمكن القول أن إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في لبنان هو تناقض بحد ذاته، إذ لا يمكن لهذه التقنية أن تعمل بمعزل عن هذه المقومات الأساسية.

وفي هذا الصدد، كتب محمد نجم، المدير التنفيذي لـ”سمكس”، في صحيفة “لوريان لو جور”: “يمكن للذكاء الاصطناعي بالتأكيد أن يصبح جزءاً من مستقبل لبنان. لكن الذكاء الاصطناعي ليس استراتيجية تنموية في حد ذاته. كما أنه ليس بديلاً عن معالجة المشاكل الهيكلية التي أعاقت التحول الرقمي في لبنان لعقود”.

وهذه الثغرات نفسها موجودة في نص مشروع القانون المُقترح. فالمادة الثالثة منه، على سبيل المثال، تٌكلف الوزارة بتطوير والإشراف على “النظام البيئي الرقمي الوطني” ككل، وهو مستوى عالي من المركزية يُمنح دون رقابة مستقلة.

وتُشير المادة نفسها إلى تطوير الذكاء الاصطناعي بما “يضمن حماية البيانات الشخصية”، لكنها لا توفر أي إطار قانوني، أو آلية تنفيذ، أو سلطة مستقلة تجعل هذا الوعد قابلاً للتحقيق.

وتسمح المادة الرابعة للوزارة بصياغة “أطرها التنظيمية والرقابية” الخاصة وفرض إدماج الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة والخاصة، متجاوزةً بذلك العملية التشريعية ومشرعةً الباب أمام مشاركة البيانات دون ضمانات. كما تُمنح الوزارة صلاحية الإشراف على “أي مهام أخرى تسهم في تحقيق أهداف هذا القانون”، وهو ما يُعد فعلياً بمثابة “شيك على بياض” للتوسع المؤسسي دون أي مساءلة.

وتلزم المادة التاسعة كل وزارة وهيئة بالتشاور مع وزارة الذكاء الاصطناعي المُزمع إنشائها قبل إطلاق أي مبادرة رقمية، مما يخلق نقطة مركزية واحدة تعرقل التنسيق بين الكيانات الوزارية المختلفة.

ويُعد قرار البرلمان بإحالة مشروع القانون إلى اللجان فرصة، ولذلك يجب على المشرعين ألا يُضيعوها. ومع استمرار المداولات في تلك اللجان، نحث الحكومة على تبني نهجاً أكثر تأنياً ومشاركةً.

كما ينبغي أن تُشرك عملية صياغة القانون الخبراء التقنيين والباحثين ومنظمات المجتمع المدني والجمهور منذ البداية، بدلاً من عرض قانون مكتمل عليهم ليبدوا آراءهم تجاهه بعد فوات الأوان.

كما تحتاج هذه الرؤية إلى حوكمة ومساءلة حقيقيتان تدعمانها. لا يمكن أن يُعهد بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة إلى سلطة مطلقة غير خاضعة للرقابة، فهي تتطلب رقابة مستقلة وضمانات ديمقراطية قادرة فعلياً على تقييد كيفية استخدام هذه السلطة والتواصل بشأنها بشفافية مع الناس. 

ولا يمكن لأي من هذه الرؤى أن تنجح دون تشريع شامل لحماية البيانات، تشريع يمتلك أدوات تنفيذية حازمة وليس مجرد مبادئ على الورق. ويفضل أن يُستوحى هذا القانون من اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR)، مع مراعاة أهمية سياقنا المحلي.

وقبل أن توسع الدولة نطاق سلطتها على حوكمة الذكاء الاصطناعي، يتعين عليها ترتيب بيتها الداخلي أولاً.

فالإدارة العامة، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات العامة المشتركة، كلها مجالات تحتاج إلى تعزيز أولاً. ويجب أن يسبق الإصلاح المؤسسي عملية التوسع المؤسسي، وليس العكس.

مع تسارع الأحداث، ستواصل منظمة “سمكس” مراقبة هذه العملية عن كثب ولن تتردد في الدعوة إلى حوكمة رقمية قائمة على الحقوق وخاضعة للمساءلة في جميع الوزارات والمؤسسات العامة في لبنان.

للاطلاع على مشروع القانون الضغط هنا

أحدث المستجدات

أحدث المستجدات حول الحقوق الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا

21 سبتمبر 2026

العدّ العكسي بدأ: أقل من شهر يفصلُنا عن ملتقى “خبز ونت”!

16 سبتمبر 2026

نظارات “ميتا”: انتهاك للخصوصية في منطقة غرب  آسيا وشمال أفريقيا

16 سبتمبر 2026

شاركوا في هاكاثون الاتصالات الآمنة!

ابقوا/ين على اطلاع

واشتركوا/ن في نشرتنا البريديّة.