سبتمبر 7, 2026 | أخبار

تمديد “مراقبة الدردشات 1.0”: محاولات الاتحاد الأوروبي لإضفاء الشرعية على المراقبة الجماعية قد تؤثر في خصوصية المستخدمين، حتى خارج حدود أوروبا

ديونيزيا بيبا
07 سبتمبر 2026

ها هو الاتحاد الأوروبي يُعيد الكرّة عبر طرح أنظمة لا تهدد حق الأوروبيّين في الخصوصية فحسب، بل تُرسي أيضاً سابقة عالمية خطيرة بفعل ما يُعرف بـ “تأثير بروكسل”. ففي 9 تموز/يوليو 2026، نجح البرلمان الأوروبي في تمديد العمل بنظام “مراقبة الدردشات 1.0” (Chat Control 1.0)، وهو استثناءٌ مهمّ من قوانين الخصوصية الأوروبية، إذ يسمح للمنصات بالاطّلاع على المحادثات الخاصة بشكل اختياري، بالرغم من تصويت غالبية أعضاء البرلمان الأوروبي ضده.

وسيظل هذا الاستثناء الخطير، المُصنَّف ضمن خانة “الاستثناءات المؤقتة” (temporary derogation)، سارياً حتى نيسان/أبريل 2028 على الأقل. وكان نظام “مراقبة الدردشات 1.0” المثير للجدل قد دخل حيز التنفيذ للمرة الأولى في آب/أغسطس 2021، وانتهى العمل به في نيسان/أبريل 2026 بعدما صوّت أعضاء البرلمان الأوروبي ضد تمديده. وبالرغم من ذلك، فرضت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، إعادة فتح الملف، بحجة أن انتهاء العمل بنظام “مراقبة الدردشات 1.0” قد يفرض مخاطر كبيرة على حماية الأطفال على الإنترنت.

 

ما هو نظام “مراقبة الدردشات 1.0″؟

يستهدف نظام “مراقبة الدردشات 1.0” (لائحة الاتحاد الأوروبي 2021/1232) قواعد الخصوصية الإلكترونية في الاتحاد الأوروبي (e-Privacy) التي تحمي سرية الاتصالات. وبذريعة حماية الأطفال على الإنترنت، ولا سيما مكافحة نشر مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال (CSAM)، إذ يسمح هذا الاستثناء لمُقدِّمي خدمات الاتصالات بين الأفراد، مثل تطبيقات المراسلة، بالاطّلاع على الرسائل الخاصة طوعاً من دون مذكرة قضائية أو أمر قضائي، أو حتى من دون وجود اشتباه مسبق. ويجرّد هذا الاستثناء المستخدمين من حقهم في الخصوصية،  كما يمنح القطاع الخاص صلاحيات سلطات التحقيق، من دون أي ضمانات قانونية.

أما طريقة تمديد العمل باللائحة فتثير إشكاليات أخرى. فعلى الرغم من رفض أعضاء البرلمان الأوروبي التمديد في آذار/مارس، أعادت الرئيسة ميتسولا فتح الملف بإحالته إلى مجلس الاتحاد الأوروبي، مستغلةً ثغرة في الإجراءات البرلمانية. وفي الواقع، بالرغم من تصويت غالبية أعضاء البرلمان ضد التمديد، تحتاج العملية التشريعية المعقدة في الاتحاد الأوروبي إلى أغلبيةٍ مطلقة، تبلغ حالياً 361 صوتاً من أصل 720، كي يتمكن البرلمان من رفض الموقف المعدّل في القراءة الثانية.

لم تتحقق هذه الأغلبية. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى إعادة الملف إلى البرلمان قُبيل العطلة الصيفية مباشرةً، ما ترك للمعارضين وقتاً محدوداً لتنظيم صفوفهم. وأمام مجلس الاتحاد الأوروبي الآن ثلاثة أشهر للموافقة على التمديد.

يتضمن الموقف المعدّل حُكماً واحداً يميّزه عن النص الذي رُفض في آذار/مارس، لكنه يحتوي على مفارقة لافتة. فلن يسري الاستثناء على الرسائل المشفّرة من طرف إلى طرف، وإنما يقتصر هذا الاستثناء على الخدمات التي تعتمد التشفير التلقائي، مثل “سيغنال” (Signal) و”واتساب” (WhatsApp).

وهذا يعني أن جميع المنصات والخدمات الأخرى لن تُستثنى من نظام الفحص والتدقيق. وقد صرّحت شركة “ميتا” (Meta) بأنها تطبّق بالفعل الاستثناء الأوروبي المتعلق بمواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، في حين أن الرسائل المباشرة على منصة “إكس” (X) لم تكن مشفّرة أساساً. وتندرج خدمات البريد الإلكتروني العادية ضمن نطاق هذا الاستثناء.

 

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الحق في الخصوصية؟

بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، يُكرَّس الحق في الخصوصية في المادة 7 (احترام الحياة الخاصة والعائلية) والمادة 8 (حماية البيانات الشخصية) من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي. كذلك، فإن لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أطراف موقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR)، التي تتضمن مادةً تحمي الحق في الخصوصية (المادة 8). وأخيراً، تلتزم الدول الأعضاء الـ27 جميعها بالمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتنصّ كل من هذه الأحكام على إمكانية فرض قيود على الحق في الخصوصية. ولكنَّ هذه القيود يجب أن تستوفي شروطاً معينة بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، وأبرزها أن تكون متوافقة مع القانون الوطني أو قانون الاتحاد الأوروبي، وأن تكون ضرورية لمنع الجريمة. تنص الفقرة 1 من المادة 52 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي كذلك على خضوع هذه القيود لمبدأ التناسب. بالإضافة إلى ذلك، يشدد التعليق العام رقم 16 بشأن المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ضرورة حظر مراقبة أي شكل من أشكال الاتصالات.

لا يلتزم نظام “مراقبة الدردشات 1.0” بهذه المعايير. فلا يمكن اعتبار المراقبة الجماعية الشاملة، بدلاً من المراقبة الموجّهة للمشتبه بهم، متناسبةً مع الهدف المنشود أو مبرَّرةً بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما أنَّها قد تمسّ جوهر الحق في الخصوصية نفسه.

يمنح الاستثناء المؤقت الشركات الأميركية صلاحيات إنفاذ القانون، من دون أي ضمانات قانونية. ففي حين قد تحتاج السلطات الوطنية إلى مذكرة أو أمر قضائي، تستطيع الشركات الخاصة من خارج الاتحاد الأوروبي التجسُّس بصورة مشروعة على مستخدميها من خلال الوصول بحرية إلى اتصالاتهم الخاصة. ولا يهدّد ذلك الحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية فحسب، بل يقوّض أيضاً جوهر العمليات الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي.

إنَّ منح إمكانية المراقبة الجماعية للقطاع الخاص يفرض خطراً كبيراً على القِيَم نفسها التي يزعم الاتحاد الأوروبي أنه يسعى إلى حمايتها. فمن خلال خفض معايير الأمان لجميع المستخدمين، يفشل نظام “مراقبة الدردشات 1.0” في حماية الأطفال أيضاً.  إضافة إلى أن الفحص الجماعي للاتصالات سيؤدي حتماً إلى نتائج إيجابية كاذبة، ما يعرّض المستخدمين لمخاطر أكبر. ويشير التقرير الثاني بشأن المخاطر المنهجية المرتبطة بالمنصات الإلكترونية ومحركات البحث الضخمة جداً (VLOPs) بموجب قانون الخدمات الرقمية (DSA) مراراً إلى الإشراف على المحتوى بوصفه أحد عوامل الخطر. ومع ذلك، تعجز الأنظمة المؤتمتة عن تفسير الفروق الثقافية الدقيقة، أو النبرة الساخرة، أو غيرها من أشكال التعبير التي لا يكون معناها مباشراً وواضحاً. وينطبق ذلك خاصّة على المحتوى المكتوب بلغات الأقليات لدى مجتمعات المغتربين المقيمة في الاتحاد الأوروبي، مثل اللغة العربية.

 

سابقة خطيرة

تؤثّر تشريعات الاتحاد الأوروبي غالباً على مسار الأطر التشريعية حول العالم. فقد شكّلت اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) نموذجاً لأطر مماثلة لحماية البيانات في دول خارج أراضي الاتحاد الأوروبي. ففي منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا مثلاً، استُلهمت معظم قوانين حماية البيانات الشخصية (PDPLs) التي اعتُمدت مؤخراً من أحكام اللائحة العامة لحماية البيانات أو استندت إليها إلى حد كبير. وما زال  “تأثير بروكسل” حاضراً بقوة ولا ينبغي التغاضي عنه. لذلك،  يتوجب على المشرّعين في الاتحاد الأوروبي أن يأخذوا في الحسبان أن قواعد الاتحاد تخلّف آثاراً على نطاق عالمي، وأن يتشاوروا مع الجهات المعنية من خارج الاتحاد الأوروبي.

ومع أن نظام “مراقبة الدردشات 1.0” مؤقت، تجري حالياً مفاوضات بشأن “مراقبة الدردشات 2.0 “، وهو تنظيمٌ دائم مُقترَح لمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال. وفي حال اعتماده، سيفرض التزاماً قانونياً على المنصات الرقمية بالكشف عن مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال والإبلاغ عنها. ولم يتمكن مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي من التوصل إلى اتفاق بشأن الفحص الإلزامي وإدراج الرسائل المشفّرة من طرف إلى طرف ضمن نطاقه، إلا أن المفاوضات ستُستأنف في أيلول/سبتمبر.

تشير التطورات التشريعية والسياسية في الاتحاد الأوروبي إلى أنه ربما حان الوقت لدول منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا للتساؤل عن مدى تأثير الاتحاد الأوروبي عليها. ولا شك في أن الاتحاد الأوروبي قد أصدر تشريعات رائدة، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات وقانون الخدمات الرقمية، بهدف حماية الحقوق الأساسية، مثل الحق في الخصوصية وحرية التعبير. لكنَّ المحاولات التشريعية الأخيرة، مثل “الحزمة الرقمية الشاملة” Digital Omnibus)) ونظامَيْ “مراقبة الدردشات 1.0” و”مراقبة الدردشات 2.0″، تدلّ على تحوُّلٍ في أولويات الاتحاد الأوروبي التي لم تعد تستنِد إلى حقوق الإنسان.

 

أحدث المستجدات

أحدث المستجدات حول الحقوق الرقمية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا

21 سبتمبر 2026

العدّ العكسي بدأ: أقل من شهر يفصلُنا عن ملتقى “خبز ونت”!

16 سبتمبر 2026

نظارات “ميتا”: انتهاك للخصوصية في منطقة غرب  آسيا وشمال أفريقيا

16 سبتمبر 2026

خبز ونت 2026: شاركوا في هاكاثون الاتصالات الآمنة!

ابقوا/ين على اطلاع

واشتركوا/ن في نشرتنا البريديّة.